ولا يزال الفقراء يدفعون الضرائب.. هل الحكومة منحازة للطبقات الاجتماعية الأقل؟

Foto

لماذا تُصر الحكومة على جنى الضرائب من الفقراء بعيدًا عن بدائل أخرى؟


يجب أن نشيد بإجراءات الحماية الاجتماعية التى قامت بها الحكومة مؤخرا سواء بالنسبة للمعاشات أو مرتبات الموظفين أو مشاريع تكافل وكرامة.. وإن كانت غير كافية ولكن أفضل من لا شىء، فقد كانت الحكومة تسير فى طريقها غير عابئة بآلام الفقراء والطبقة الوسطى، هل كانت أحداث الأردن هى السبب فى تخوف الحكومة وتأخيرها لزيادات البنزين ربما لبعد العيد واستبقتها بإجراءات الحماية الاجتماعية؟ ولكن ما زال الأمر يحتاج إلى مزيد من إجراء الحماية الاجتماعية، لأن الحكومة لها نظرة سلبية لموظفى الحكومة وتراهم عبئا على الدولة، وأنها لا تحتاج إليهم وترغب فى التخلص منهم ودفعهم للزهد فى العمل الحكومى، وترى أنه برفع مرتباتهم ستدفعهم إلى الاستمرار فى وظائفهم، وربما لا تعلم الحكومة أن هناك بطالة فى المجتمع كبيرة، وأن قدرات القطاع الخاص على التشغيل لا تتسع بل على العكس تتقلص، وحتى لو ارتفعت، فإنها لا تتناسب مع المقبلين الجدد على سوق العمل، الذين يصل تعدادهم إلى مليونين سنويا، سواء كانوا خريجى الجامعات أو خريجى الثانوى الفنى أو القادمين من الأمية والمتسربين من التعليم، وبالتالى فإن الباقين فى الحكومة فهم مضطرون للبقاء، ويكملون دخولهم بالعمل الخاص كعمل إضافى، فى ظل ارتفاع أسعار غير مسبوق، وتضخم هو الأعلى على مصر ربما على مدى قرن من الزمن، فلم يحدث فى أثناء حرب 67 مثل هذا التضخم، ولا فى أى من معاركها السابقة واللاحقة على العام 67، كانت هناك معدلات تضخم، ولكنها لم تكن بهذه النسب فى تلك المدد القليلة.

قضية حد الإعفاء الضريبى تحدثنا عنها مرارا، ومضطرون لتكرارها كلما تحرك حد الإعفاء الضريبى، لنضرب جرس إنذار للحكومة، ولنؤكد أن تحيزها للفقراء هو ادعاء كاذب تثبته الوقائع والقرارات، فقد كان حد الإعفاء الضريبى 5 آلاف جنيه وارتفع للمرة الثالثة منذ أيام.. فقد ارتفع لستة آلاف جنيه فى عهد إبراهيم محلب ثم لسبعة آلاف جنيه فى حكومة إسماعيل، ثم ارتفع منذ عدة أيام إلى 8 آلاف جنيه، وهذا إصرار على تحميل الفقراء الجزء الأكبر من ميزانية الدولة، ولتوضيح هذا الرقم الذى كان خمسة آلاف وأصبح 8 آلاف فى خلال أربع سنوات، أنه ينخفض ولا يرتفع، لنعتبر أن هذا المبلغ هو لرب أسرة صغيرة من أربعة أفراد، رغم أن متوسطات أعداد الأسر المصرية أكبر من ذلك، نتحدث عن أب وأم وطفلين، معدل الفقر العالمى 2 دولار والفقر المدقع ارتفع لدولار وربع، فلنتوقف عند الفقر المدقع وهو حد الكفاف والاحتياجات الأساسية فيكون تكلفة الأسرة فى اليوم الواحد 5 دولارات وفى الشهر 150 دولارا وفى السنة 1800 دولار، وبالعملة المحلية الجنيه المصرى يكون الرقم 32400، هذه هى حدود الفقر المدقع لأسرة من أربعة أفراد، وتصر الدولة أن يدفع هذا الرجل الذى يحتاج إلى الزكاة الفاتورة الأكبر من فاتورة الضرائب والتى تمثل 80% من الموازنة العامة للدولة، تكون قادمة من الفقراء، إذ يتم إعفاء ثمانية آلاف ويدفع على الـ24 ألف الباقية 10% بواقع 2400 جنيه، وبالتالى يدفع موظفو الدولة الغلابة للصرف على موازنة الدولة.
ويكون السؤال هل هناك بديل؟ بالتأكيد هناك بدائل، كل خبراء الضرائب يقولون إن معدل التهرب الضريبى فى مصر يتجاوز 400 مليار، دروس خصوصية لا تدفع ضرائب ولا عيادات أطباء ولا تجار تجزئة ولا تجار جملة ولا مصانع، الكل يتهرب من الضرائب كل حسب حجمه، وإمساك دفاتر لمحاسبين مخضرمين يجعلون أكبر الرابحين يخرجون خاسرين ولا يدفعون ضرائب، ويكون السؤال هل هذا الأمر من الصعب ضبطه؟ بالتأكيد من السهل فكود ضبط الضرائب معروف عالميا، الكل يتعامل بالفواتير، وكل التجار بالكود ولا يخرج منتج من المصنع إلا بأكواد، فلا يستطيع البقال الصغير ولا تاجر الجملة ولا المصنع التهرب، وإمساك الفواتير للأطباء وغيرهم، فيكون المريض حريصا على إمساك الفواتير للحصول على خصم ضرائبى وكذلك كل تعاملاته، فتكون دائرة مغلقة، سيكون هناك تسرب ولكن بنسب ضئيلة، وحركة المال كلها مراقبة، تجعل صاحب المصنع مضطرا لإثبات أرباحه بشكل حقيقى، حتى يبرر تضخم ثروته، وأن يكون شراء العقارات وكل شىء عن طريق الحركة البنكية، لضبط أى غسيل أموال، ولكن للأسف فالحكومة غير جادة فى مواجهة ذلك، لأنها متحيزة للطبقة العليا التى تتهرب من الضرائب.
هل تعرفون 8 آلاف جنيه على أربعة أفراد فى السنة يكون نصيب الفرد كم؟ يكون نصيب الفرد 5.47 ليس خمسين جنيها، ولكن خمسة جنيهات و47 قرشا، أن تقول إن الفرد الذى دخله اليومى 6 جنيهات يجب أن يدفع ضرائب، مع العلم أن تذكرة المترو 7 جنيهات يعنى رايح جاى 14 جنيها، فمطلوب من هذا الفرد أن يدفع مواصلات ويأكل ويشرب ويلبس ويدفع فواتير مياه وغاز وكهرباء وإيجار مسكن وعلاج ودروس خصوصية، ويتهرب من الضرائب ولا يريد أن يدفع من الستة جنيهات حق الدولة، نسينا أن نتحدث عن الاتصالات والإنترنت والباقات وخلافه، مع العلم أن هذا المواطن يدفع ضرائب فى كل سلعة يشتريها بما يسمى ضريبة القيمة المضافة والتى ارتفعت لـ14% مع العلم أن أمريكا من يدفع الضرائب من يتعدى دخله السنوى 36 ألف دولار وفى مصر 444 دولارا يعنى أقل من 500 دولار، وهذا ردا على الذين يقارنون دائما بين سعر المترو فى مصر وأمريكا أو سعره فى مصر، أو بكل صفاقة يقارنون بين سعر البنزين فى الإمارات وسعره فى مصر متناسين أو متجاهلين أو يمارسون الاستهبال فى أعلى صوره والاستفزاز فى قمته العليا، وهم لا يدركون أن الشرر يتطاير من أعين القارئين لتلك المقارنات وأن الغيظ المكتوم يزداد من تلك التبريرات أكثر من القرارات المؤلمة ذاتها.
وفى نفس السياق تمارس الحكومة إجراءات غير مفهومة وغير مبررة، فهناك الخاضعون للخدمة المدنية، حيث أصبح أساسى المرتب ثلاثة أرباع المبلغ الحقيقى، وبناء عليه تم ثبيت الزيادات على الأساسى الأول والذى يساوى الربع من الأجر الحقيقى وهو أساسى 2014، أما غير الخاضعين للخدمة المدنية، فما زالت أساسياتهم ربع الراتب الحقيقى، فما المبرر أن تطبق عليهم أن الحوافز والبدلات تقف عند أساسى المرتب فى 2014، لتتقلص رواتبهم، خصوصا أن الخصومات تكون على أساسى 2018، وأكثر من نصف هؤلاء المتضررين وهم ثلاثة ملايين ونصف هم أبناء وزارة التربية والتعليم وهم ما يقرب من 2 مليون مدرس وإدارى والذين تراجعت دخولهم بشكل حقيقى فى السنوات الماضية والغضب يملؤهم، وغير قادرين على التعبير عن هذا الغضب، لأن التعبير عن الغضب بأى صورة أصبح غير مسموح به وعواقبه وخيمة، ولكنى أرى أن أى إصلاح لمنظمة التعليم بشكل جزئى لن تنجح، فمهما تم تعديل طريقة الامتحان، أو طريقة التدريس وعدم وضع المدرس فى الاعتبار فإنها ستفشل بلا جدال، فسواء كان المدرس يكمل دخله عن طريق الدروس الخصوصية، أو عن طريق العمل الحر، فسيظل جهده فى المدرسة متراجعا وغير كفء، وستنهار أى منظومة لإصلاح التعليم، وأكاد أجزم أن فاتورة الدروس الخصوصية سترتفع فى العام المقبل فى المنظومة الجديدة، لأن هذه المنظومة تحتاج إلى مدرس متفرغ لعملية التدريس، ولن يتفرغ مدرس براتب 1200 جنيه، وكلام رئيس مجلس النواب أن راتب المعلم يساوى دكتور الجامعة، هو كلام بعيد عن الحقيقة كل البعد، وللأسف فلم يعتذر رئيس البرلمان عن هذا التصريح المزعج والمفتقد للمعلومات الصحيحة وزاد من غضب المعلمين على غضبهم المكتوم، والمعلمون قادرون بتوافق ضمنى بسبب أوضاعهم البائسة على امتصاص تلك المنظومة الجديدة وإفشالها، فليس من المعقول أن تدخل مدخلات جيدة لماكينة صدئة لتخرج قماشا أكثر جودة، فتحديث الماكينة وصيانتها ضامن مهم لخروج منتج جيد، أما أن تكون المدخلات مختلفة فقط فماكينة التعليم لن تخرج قماشًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات