.

سلسلة رجال متصوفون ونساء متصوفات.. ابن عربى الشيخ الأعظم محرِّر المرأة

Foto

ما أشهر ألقاب ابن عربى؟ وما سبب نشأته الصوفية؟ لماذا الحب عند ابن عربى هو أصل العبادة وسرها وجوهرها؟


يرجع نسب الصوفى الأشهر والحكيم الإلهى «ابن عربى» إلى «حاتم الطائى»، أكرم مَن خطر فى شبه الجزيرة العربية، واسمه محمد بن على بن محمد بن عبد الله الشيخ، وُلد لأب أندلسى وأم أمازيغية فى شهر رمضان سنة558 هـ/1164 م، فى بلدة مرسية بالأندلس، لذلك يحمل ضمن ما يحمل من ألقاب لقب «الأندلسى»، وقد لقّبه محبوه ومريدوه بألقاب أخرى، لعل أشهرها: الشيخ الأعظم، وسلطان العارفين، وإمام المحققين، ورئيس المكاشفين، والكبريت الأحمر.

يقول مؤرخو السير إن سبب نشأته الصوفية هو اتصال والده بالصوفى الكبير «عبد القادر الجيلانى»، الذى تنبأ له منذ صغره بأن هامته ستعلو بها مواهب بارزة، وبالفعل فقد كشف ابن عربى، ولمّا يزل صغيرًا يافعًا، عن ملكات ذهنية جعلته متفوقًا على لِدَاته وأقرانه، فنشأ مُحبًّا للعلم وهو فى ميعة الصبا، وشغف بالانتقال والارتحال من مكان إلى آخر لطلب العلم والاستزادة من العلوم المختلفة، وفى أثناء ذلك شرع فى كتابة الشعر، وكانت مدينة إشبيلية، التى استقر فيها ابن عربى لنحو ثلاثين سنة من عمره، موطن اكتمال نبوغه وفيوضاته الروحانية، وقد تبوأ فيها مكانة سامية، ولا شك فى أن نبوغ ابن عربى إنما هو إحدى ثمار عصره، القرن السادس الهجرى، فقد بلغت الثقافة الإسلامية بالمغرب الإسلامى ذروتها فيه، وبدَت الفلسفة الإسلامية فى أكمل صوَرها، بالإضافة إلى أن تيار التصوف كان غالبًا فاشيا فى ذلك العصر أيضًا؛ ذلك أن اشتجار الخلافات السياسية والمذهبية، فضلا عن الصراعات العسكرية داخليًّا وخارجيًّا، عوامل تدفع الناس إلى أن يلوذوا بالحياة الصوفية والزهد، والخروج من الواقع البائس الصعب إلى الأفكار الروحانية والاعتقادات الوجدانية المثالية، من خلال التماهى فى الله تعالى، والتفانى فى حبه؛ لذلك كان التصوف هو الملاذ الآمِن الذى يلتئم الجميع بصرف النظر عن آرائهم واعتقاداتهم وأفكارهم.

تنقّل ابن عربى بين الأندلس والمغرب ومكة وبغداد ومصر ودمشق، وأقام فى بلاد الروم لطلب العلم والسياحة، واستقر به المقام فى النهاية فى دمشق سنة 620 هـ، حتى وافته المنية ودُفن بها سنة638 هـ، ويُعد كتابه «الفتوحات المكية» أضخم وأهم وأشهر كتبه، لما يثيره هذا الكتاب من جدل، وهو فى الأصل رسالة ضخمة بعنوان «الفتح المكى»، بدأ تأليفه فى بداية حياته ثم أكمله فى مكة، ولما وصل الكتاب إلى أربعة آلاف صفحة، توقف عندئذ واكتفى بذلك مُتممًا تلك الصفحات بفهرس ينتظمها، والكتاب «كالبحر الزاخر فى علوم الحقائق والتصوف وأحكام الشريعة ممتزج بعضها ببعض، ولا ريب فى أن هذا الكتاب قد أُلِّف بالإلهام، ولا يمكننا أن نتعرض لتفسير بعض ما جاء فيه من الآراء نثرًا وشعرًا، مما انقسم جمهور المسلمين بسببه فرقًا، فمن قائل: إن المؤلف له شطحات، ومن قائل: إنه كتب ما أراد برموز وألغاز، يدركها أربابها للوهلة الأولى» (محمد لطفى جمعة، تاريخ فلاسفة الإسلام، ص296). من أجل ذلك حظى ابن عربى باهتمامات الدارسين كلهم، لأن مؤلفاته فى التصوف ربطت بين النظر والعمل والعقل، والكشف، واحتلّ العقل جانبًا كبيرًا منها، لأن ابن عربى كان من الصوفيين القلائل الذين برهنوا على أن للعقل مكانة كبيرة فى مجال المعرفة الإلهية، وأن له حدودًا لا يتخطّاها؛ لأن ثمة معارف تتجاوز طاقته وقدراته، فالعقل لديه وسيلة لا غاية، لذلك اهتم كثير من الباحثين والدارسين بمكانة العقل عند ابن عربى.

برع ابن عربى فى شروح مصطلحات الصوفية، ففى كتابه «رسائل ابن عربى» نجد شروحًا لعشرات المصطلحات الصوفية؛ مثل: المريد، السالك، المسافر، الحال، الملامتية، الهاجس، الحضور، القرب، البعد، الكشف، الستر، المسامرة، التدلى، الترقى، الرجاء،...، ولعله بذلك كان أول صوفى يتعرض لشرح تلك المصطلحات باستفاضة، وصبغها صبغة فلسفية عميقة، لذلك أطلقوا عليه لقب «فيلسوف الصوفية».

ونظرية ابن عربى فى الحب الإلهى متفرعة عن مذهبه الفلسفى الصوفى العام الذى هو مذهب «وَحدة الوجود»، بل هى لازم من لوازم هذا المذهب ونتيجة من نتائجه... فالوجود فى حقيقته وجوهره شىء واحد، متعدد متكثّر فى النظر والاعتبار، ويرى ابن عربى أن «المحبوب على الحقيقة فى كل ما يحب إنما هو الحق الذى يتجلّى فى ما لا يتناهى من صور الجمال، سواءً كانت حسية أم معنوية أم روحية» (أبو العلا عفيفى، التصوف الثورة الروحية فى الإسلام، ص 239و240).

والحب عن ابن عربى هو أصل العبادة وسرها وجوهرها، فلا معبود دون حب، ولولا الحب ما عبد إنسان شيئًا ولو كان حجرًا أو طوطما، والمحبوب مقدَّس، والإنسان لا يقدِّس محبوبه إلا إذا تفانى فى حبه وأخلص إليه، والمحبوب عند ابن عربى واحد مهما تعددت صوره وأشكاله، لذلك فهو يقول شعره الخالد:

لقد صار قلبى قابلا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنَّى توجهَت ركائبه فالحب دينى وإيمانى

فالحب الإلهى عند ابن عربى أساس لدين عالمى لا يعرف الفروق والاختلافات والحدود، فالدين واحد، ومعلوم ما فى هذه الدعوة الجميلة من معانٍ سامية رفيعة، تجمع ولا تفرّق، وتوحّد ولا تشتت، ومعلوم كذلك أن الحدود التى وضعها الأشياخ والقساوسة ورجال الأديان هى التى تفرّق بين الناس، وتقسّم أراضى الجنة كما لو كانت مفاتيحها فى أيديهم!

وأخيرًا، فثمّة قضية مركزية فى فكر ابن عربى، وهى قضية الأنثى، فابن عربى يتحيّز للأنثى تحيزًا واضحًا، حتى إنه اعتبر أن الوجود الكلى والجزئى لا يقومان إلا بحضور الأنثى إلى جانب الرجل، سواء بسواء، فهو يقول: «إن منزلة المرأة من الرجل فى الأصل هى بمثابة منزلة الرحم من الرحمن لأنها شجنة منه، فمن رحمها وُلد البشر، وجاء التراحم والودّ بينهم». ولم يكتفِ بهذا، بل إنه رأى فى رسالته «عقلة المستوفز» أن للمرأة حق الولاية السياسية كما لها حق الولاية الصوفية، بل هو يرى أنها «قطب الزمان»، فهى عنده إنسان كامل. ومعروف أن ابن عربى تعلم على يد شيخته «فاطمة بنت المثنى» وتُدعى «نونة»، وشيخته «شمس» أم الفقراء، وكانت امرأة عابدة زاهدة مجتهدة كثيرة الصيام.

لقد أنصف ابن عربى المرأة منذ قرون، ولعل نظرته للمرأة على أنها إنسان كامل ومقام روحى هى السبب فى إعلائه من شأنها، فضلا عن تلمذته ليد أكثر من شيخة له، الأمر الذى جعله ينظر إلى المرأة باعتبارها مفخرة لا عورة!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات