.

خلق القرآن.. حصر الإيمان فى التدين بداية الطريق للإرهاب

Foto

هل عدد البشر الذين لم يؤمنوا بالأديان السماوية فاق فى كل العصور أعداد المتدينين بها أضعاف المرات؟ هل تختلف درجات الإيمان أم أنها واحدة؟


من السهل أن يتأكد الإنسان أن عدد المتدينين بأديان التوحيد الإبراهيمية الثلاثة «اليهودية- المسيحية- الإسلام» لم يكن فى أى وقت مضى، وربما فى أى وقت قادم كما هو اليوم، أكبر من عدد غير المتدينين بها، فرغم حيرة العلماء فى تحديد مقدار دقيق لعمر الإنسان على الأرض، ويعود به البعض إلى 50 ألف سنة مضت تقريبًا، فإن حقيقة أن تاريخ اليهودية، وهى أقدم الديانات الإبراهيمية الموجودة حاليا، يرجع إلى 3500 سنة تقريبًا- المسيحية 2000  والإسلام 1500 سنة -تؤكد أن الأديان الثلاثة لم تكن دائمًا بنفس العالمية والانتشار كما يتصورهما أصحابها، وأن هناك شعوبًا بأكملها ظلت خارج دائرة نشاط النبوات الإبراهيمية فى منطقة الشرق الأوسط.. شعوب لا تفتقر للقدم والعراقة ولم تصل إليها رغم ذلك دعوة التوحيد على طريقة الأديان الإبراهيمية، شعوب تنتشر من الصين شرقًا حتى الأمريكتين فى الغرب، إذ لم يقل أحد الباحثين فى تاريخ شعوب مثل قبائل الهنود الحمر التى انتشرت لآلاف السنين على مساحة قارتين شاسعتين، إن هذه الشعوب عرفت رسُلًا ورسالات لها طبيعة تقارب تعاليم رسل ورسالات الأديان الإبراهيمية التى انفردت بها منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يمكن تأكيده كذلك من تاريخ كل القبائل التى سكنت وسط آسيا وإفريقيا الوسطى والجنوبية -والشمالية حتى مرحلة تاريخية متأخرة -وأنحاء قارتى أوروبا وأستراليا قبل دخول المسيحية فيهما، وهكذا.

هذه الحقائق التى كشفت عنها الدراسات العلمية والأنثروبولوجية حديثًا، والتى تبدو لنا على قدر من البداهة والاستقرار لم يكن فى وسع عقول أسلافنا قبل مئتى سنة فقط استيعابها على خلفية ما توفر فى عصورهم من معارف وعلوم؛ لذلك فإن مفسرًا عظيمًا مثل الطبرى لم يذهب فى تفسيره لقوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (الإسراء- 15)، إلى أبعد من الخبر الذى نقله عن أبى هريرة، قال فيه: إذا كان يوم القيامة جمع الله نسم الذين ماتوا فى الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا ثم أرسل رسولًا أن ادخلوا النار فيقولون: كيف ولم يأتِنا رسول؟ وأيمُ الله لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا! والظاهر من الخبر أن معارف ذاك الزمان لم يكن من الممكن أن تمتد عندما تتصدى لمن لم تبلغهم رسالات الأديان لأبعد من أهل الفترة والصم والبكم والمعتوهين والمخرفين. ذلك لا يزال بوسع من يتمكن من تحرير عقله من معارف وتقاليد ومواضعات أزمنة السلف أن يجد فى القرآن آثارًا كثيرة من آثار التفرقة الضرورية بين الدين بمعناه السماوى والإيمان بوصفه نزوعًا بشريًّا، ينتمى إلى ما تسميه الأديان بالفطرة العميقة لدى الإنسان. هذه الفطرة تتعامل الأديان معها وتتوجه رسالات الله إليها، وهى أساس انشغال الناس بالتدين وسبب إقبالهم على الدين.
الإيمان كما يمكن أن يفهم من القرآن، وكما هو عليه كظاهرة واقعية بشرية، أعم وأشمل من أى دين ومن الأديان جميعًا، وهو ما يمكن أن يلمسه العقل فى قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنعام- 165)، وقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا) (فاطر- 39 )، وهما آيتان تتعلقان باستخلاف عموم الإنسان فى الأرض وبإيمانه وكفره وبحساب الله عليهما، أما المعايير التى يجرى عليها حساب القيامة ويذكرها القرآن فهى معايير عامة، وبالتالى تصلح لكل بنى البشر ممن بلغتهم رسالات الأديان أو لم تبلغهم، وأولها معيار العمل الصالح النافع ويذكر بقوله: (ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون) (الأحقاف 19 )، (ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون) (الأنعام-  13)، ومنها معيار العلم: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (المجادلة-  11). 
وبوسع قارئ القرآن أن يلحظ كذلك الاختلاف بين الآيات التى تتحدث عن المؤمنين بشكل عام والمتدينين منهم بشكل خاص، كقوله: (الذين يقيمون الصلاة وممن رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا) (الأنفال-  3 و4)، بما يتضمنه ذلك من تفرقة لازمة بين درجات مختلفة من الإيمان تشمل المؤمنين بالدين وغيرهم، وقوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة- 62). كل ما سبق يدعونا لتأكيد أن المؤمن كما يعنيه القرآن هو الخامة الإنسانية الجيدة للتدين، وأن المتدين الذى لا يضبط فهمه للتدين بمفهوم أشمل عن الإيمان وينكر على البشر إيمانهم ويحصره فى دينه وحده هو الخامة الصالحة للتطرف والعنف الإرهابيين.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات