اعتصام الأردن بين الخبز والسياسة.. هل يدفع البلد ثمن الغضب المؤجل بالفوائد؟

Foto

ما الأسباب الحقيقية لاندلاع رفض الشارع الأردنى قرارات الحكومة؟ هل يمكن أن يندس فى أوساط المعتصمين مخربون؟


يخطئ مَن يحكم على اعتصام الشعب الأردنى بأنه عقاب للملك، لرفضه صفقة القرن. يخطئ مَن يتعامل مع غضب الجماهير على أنه موجه من الخارج. مَن يريد أن يفهم الحالة الأردنية عليه أن يقرأها من البداية، والبداية كانت بهبّة نيسان الشهيرة، فى 15 نيسان 1989 (وبدأت من محافظة معان) وكان سببها اقتصاديًّا بحتًا ومحركها الرئيسى هو رفع أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية، ولكن سرعان ما تحولت مطالب الجماهير من توفير الخبز إلى مطالب بإصلاح سياسى، فارتفع سقف المطالب إلى إسقاط الحكومة والمطالبة بقانون أحزاب وإلغاء قانون الطوارئ، وبالفعل تم إسقاط الحكومة (حكومة زيد الرفاعى)، وتم انتخاب برلمان ووضع قانون ونظام للأحزاب ورفع حالة الطوارئ.. إنها شبيهة جدًّا بالاحتجاجات الأخيرة، حيث بدأت اقتصادية وتصاعدت حتى شملت المطالبة بحقوق سياسية واستحقاقات دستورية غير مفعلة. ثم تلتها احتجاجات ما سمى بـ«انتفاضة الخبز» عام 1996 التى خرج المواطنون فيها (بدأت من محافظة الكرك) احتجاجًا على رفع أسعار الخبز إبان حكومة عبد الكريم الكباريتى، حيث تحججت الحكومة بأن القرار أتى استجابة لتعليمات صندوق البنك الدولى، بسبب انخفاض سعر صرف الدينار الأردنى. وبدأت الاحتجاجات سلمية وطالبت بخفض أسعار الخبز وبعض السلع الأساسية الأخرى، ثم بعد اشتداد القبضة الأمنية واشتباك المواطنين مع الأجهزة الأمنية، انحرف الشارع إلى الفوضى والتكسير والتخريب، ووصل سقف الشعارات بعد هذا إلى إسقاط الحكومة والنواب وأحيانًا النظام.

ومع الربيع العربى اندلعت الاحتجاجات فى الشوارع عام 2012، لكنها لم تكن متجانسة ولا تحت مظلة واضحة، أى نعم كان الجميع يطالب بخفض الأسعار بما فى ذلك أسعار المشتقات النفطية التى شهدت ارتفاعًا تراوح حينها بين 10 فى المئة و53 فى المئة، بحجة حكومية مفادها مواجهة عجز الموازنة البالغ حينها نحو 5 مليارات دولار، ولكن هناك مَن اكتفى بهذا المطلب، وهناك مَن زاد عليه، مطالبًا بسقوط الحكومة، وآخرون طالبوا بجمهورية بدلًا من الملكية، وغيرهم بملكية دستورية، بينما أفواج كبيرة كانت تطالب بتحرير فلسطين أيضًا! حالة من الضياع والتخبط لم تستمر طويلًا بعد أن رأى الشعب ما يحدث فى المنطقة، وأدرك الشعب دور جماعات الإسلام السياسى، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين ثم تنظيمات السلفية الجهادية التى كانت خزانًا استراتيجيًّا لا ينضب يمد صفوف ما يسمى بـ«تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام» بالأفراد والعتاد. نحن إذن أمام استحقاقات شعبية غاضبة مؤجلة، نحن أمام شعب يعترض ويغضب إذا مُسّت حياته وهدد فى معاشه، شعب كان على وعى بالأحداث المحيطة به، وآثر سلامة الوطن على سلامته الشخصية، فماذا كانت النتيجة؟ بدلًا من أن يشكر المسؤولون الشعب لعدم انسياقه فى التظاهرات التى اندس فيها مَن كان يريد أن يجر الأردن إلى ما لا تحمد عقباه، إذا بهم يتجاهلونه ويعتبرون صمته أمرًا محتومًا، فأخذوا يضغطون عليه بمزيد من القرارات الاقتصادية التى أثقلت كاهل المواطن. مرّت الشهور، ثم السنين.. الحالة الاقتصادية من سيئ إلى أسوأ، من خرج قبل سنوات ليطالب بحق ضائع ومسروق صار يرى الآن حقوقًا أكثر وأكثر تضيع وتُسرق دون أن ينبس ببنت شفة، والسبب مجددًا هو خوفه على بلده، والأسطوانة المفضلة بالطبع كانت دائرة فى جهاز الإعلام الحكومى: اصبروا، هل رأيتم ما حدث فى سوريا؟ اصبروا، سوف نخرج من عنق الزجاجة يوم كذا، شهر كذا، عام كذا، ثم يأتى اليوم والشهر والعام، وإذ بعنق الزجاجة لا ينتهى، فتدور ذات الأسطوانة، هل تريدون الأردن مثل ليبيا؟ لقد شارفنا على الخروج من عنقها؟ لكننا نحتاج أيضًا إلى أن نرفع سعر هذا، ونزيل الدعم عن ذلك، ونبيع تلك، وكثير من تلك الدعاوى.. وتوالت الحكومات، فجاء سمير الرفاعى رئيسًا (وهو ابن زيد بن سمير الرفاعى، وكلاهما رئيس حكومة)، ثم معروف البخيت، ثم عون الخصاونة الذى كان يتمتع بسمعة طيبة لدى الشعب، لنزاهته وبسبب عمله قاضيًا دوليًّا، لكنه قدم استقالته قبل انتهاء فترته! وتحجج حينها بعدم قدرته على تحمّل كل هذه المسؤولية، ثم أتى فايز الطراونة الذى يتهمه الشعب بأنه لم يسمع قط إلى رأى الشارع ومطالبه، ثم أتى عبد الله النسور النائب السابق والمعارض فى البرلمان لأكثر من دورة، فاستبشر الناس خيرًا، وإذ به ينقلب من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين بخطاب عنق الزجاجة ذاته وفزاعات الربيع العربى وتعليمات صندوق النقد الدولى.. فأعاد الشعبَ مباشرة فى الذاكرة إلى عامَى 1989 و1996، فكانت الاعتصامات وإعلان الغضب من ساسة يعتبرون الشعب لا قيمة له فى معادلة السياسة وأنهم مهما اتخذوا من قرارات فلن يغضب، وغرَّهم وعى الشعب فزودوها إلى أن حق موعد سداد الفواتير القديمة. الاحتجاجات الأخيرة هى مجموع كل التراكمات السابقة، حيث أتى مشروع قانون الضريبة المعدل ليكون الشرارة التى أخرجت الناس عن صمتها إلى الميدان، ثم بدلًا من أن تبادر الحكومة السابقة بالتهدئة، قامت برفع أسعار المشتقات النفطية بنسبة كبيرة وصلت إلى 5% فى اليوم الثانى مباشرة من خروج الناس إلى الشارع (احتجاجات الدوار الرابع بالعاصمة) واحتجاجات بعضها كان أكثر عددًا وأعلى سقفًا فى الشعارات فى باقى محافظات المملكة، لكن الأخيرة كانت مهمشة تمامًا على كل الأصعدة، إعلاميًّا وحكوميًّا وحتى أمنيًّا، وكان القرار الأخير هو الزيت الذى صُبّ على النار، فازدادت الأعداد وارتفعت السقوف ثم أوعز الملك عبد الله الثانى إلى الحكومة بالتراجع عن قرار رفع ثمن المشتقات النفطية ففعلت، ولكن حينها كان قد فات الأوان، وعلى الرغم من تصاعد الاحتجاجات فإن الأمر لم يتحوَّل إلى ثورة بالمعنى الذى يعرفه العالم العربى، لغياب الأحزاب والقيادات التى هى فى الأصل لم تشارك الشعب فى غضبه، ورغم التخبط والتردد وعدم الخبرة التى كانت واضحة على أداء المحتجين، فإن الجماهير أثبتت وعيًا سياسيًّا راقيًا وسلوكًا احتجاجيًّا راقيًا، الاحتجاجات الأخيرة أثبتت أن إرادة الشارع هى الفيصل، وأن الاحتجاجات السلمية أكثر فاعلية من العنف، فأسقطت حكومة الملقى خلال أيام.. ولم يكتفِ. سيظل الشارع يطالب بكل حقوقه، وهى: محاسبة الفاسدين وإسقاط مجلس النواب الذى لا يمثله وإقامة حكومة منتتخبة وإعادة الدعم على الخبز والسلع الأساسية وتوفير فرص العمل وعدم تكميم الأفواه والتراجع عن قانون الجرائم الإلكترونية الأخير.
فى هذه الاحتجاجات كان الشعب هو البطل، ولم يسمح لأى كيان أن يستغله مثل جماعة الإخوان المسلمين التى لم تحضر هذه الاحتجاجات، وذلك لعدة أسباب، منها انخفاض شعبيتهم بين الناس، نظرًا لفشلهم وانكشاف أيديولوجياتهم إبان «الربيع العربى»، وارتباكهم أنفسهم بسبب انشقاق الجماعة إلى جماعتَين بنفس الاسم وبنفس الأيديولوجية، فضلًا عن هزيمتهم الأخيرة الساحقة فى انتخابات مجلس النقباء، بالإضافة إلى حرص المواطنين أنفسهم على عدم السماح للجماعة بالمشاركة فى احتجاجاتهم تحت رايتهم الخضراء، بينما لم يمانعوا مشاركتهم كأفراد، وقد وجد عدد منهم -عدد قليل جدًّا- كأفراد لا كتنظيم فى الاحتجاجات، رغم أن هذا أيضًا لم يحل دون حدوث بعض الإرباك بسبب بعض الشعارات التى كان هؤلاء الأفراد يرفعونها على استحياء والتى أزعجت المحتجين، لقناعتهم أنها ليست فى صالح تحقيق مطالبهم، مثل بعض الشعارات الإسلاموية المطالبة بـ«القصاص» من الفاسدين وليس «محاسبة الفاسدين» و«التكبير» المبالغ فيه.. إلخ .
هناك شعارات طالبت بإسقاط الملك، لكنها شعارات لا تمثل الغالبية بل أقل من ذلك بكثير، وأبرز مَن كان يرفعها هم أشخاص بخلفيات سياسية محددة ومحدودة، مثل «بعض» المنتمين إلى تيارات سياسية إسلامية، كالإخوان المسلمين (وأؤكد على كلمة بعضهم وليس القيادات)، وبقايا بعثيين وآخرون أيضًا لا ينتمون إلى جهة ولكن عددهم لا يتجاوز العشرات.
أتوقع أن تنتهى الاعتصامات بزخمها الحالى عند سحب مشروع قانون الضريبة، وتشكيل حكومة يرضى الناس عن أسمائها.
إن الهدوء لن يعود إلى الأردن إلا إذا رأى المواطنون أنهم قد نالوا ما خرجوا من أجله، وأهم ما خرج المواطنون من أجله هو لقمة العيش الكريمة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات