.

أبو العلا الذى رحل

Foto

دراما أسامة أنور عكاشة لم تكن تعرف أن يومًا ما سيأتى وضع صعب لا أحد يعرف فيه أن يوضح حقيقة ملامحه وأن يرى الطريق الصحيح بسهولة ويُسر


الشخصيات المثالية فى دراما أسامة أنور عكاشة لها تركيبة مختلفة عن أية كتابة أخرى، فكل كلمة تقولها إحدى هذه الشخصيات لها أثر مهم، وكأنه يكتب حتى يسجل رأيه ليؤكد أنه ليس للصواب طريقان بل واحد فقط.. نرى فاتن حمامة فى «ضمير أبلة حكمت» مديرة المدرسة التى تبحث عن التعليم والأخلاق معًا، وسميرة أحمد فى «امرأة من زمن الحب» العمة القادمة من الصعيد لإعادة الوعى إلى أبناء أخيها، ومحمود مرسى فى «أبو العلا البشرى» وكيل وزارة الرى الذى عاش فى قرية سخا سنوات كثيرة، للبحث عن المثاليات التى يريدها، ويأتى إلى القاهرة ليجد أولاد وبنات أقاربه فى حالة تخبط وتوهان، فيقرر البقاء لتوعيتهم، ومن هنا تبدأ رحلة السيد أبو العلا البشرى.

القيم التى كان يتحدث عنها أبو العلا البشرى هى قيم إنسانية، الفطرة التى خلق الله بها البشر، نحن الذين نرمى التراب على هذه القيم وهذه المثاليات، كنت أرى أن قيم أبو العلا البشرى سهل الحصول عليها ما دمت تعيش حياة صحيحة، كنت أرى أنه فى يوم ما سأكون مكان هذا الرجل وأننى مَن سيتحدث عن القيم والأخلاق وأن الصواب ليس له طريقان والمبادئ جزء من تكوين الإنسان، كنت أظن أن القيم التى كتبها أسامة أنور عكاشة وأخرجها محمد فاضل سهلة ما دام الإنسان لا يزال يؤمن بها. لم أكن أعرف أن القيم صعبة والتمسك بها شبه مستحيل، لأن الواقع الذى نعيشه ليس دراما عكاشة التى كتبها فى الثمانينيات.
كان البحث عن شخصية أبو العلا البشرى فى صغرى سهلًا، لأننى كنت أرى وقتها شخصيات كثيرة تشبه هذا الرجل فى طيبته ومثاليته، كنت أرى أبى، به الكثير من شخصيته، وعمى جمال حجاج، مثله فى تفكيره، كنت أرى خالى صلاح القلشى وهو يصرخ كما كان يصرخ أبو العلا.. لكن بعدها استقر أمامى جدى السيد عيسى، هو أبو العلا البشرى الذى كان يكتب عنه أسامة أنور عكاشة، فكان أستاذ اللغة العربية الذى يحب كل شىء جميل، هو الذى علم أجيالًا كثيرة المبادئ والأخلاق، وهو الذى علمنا أن الدين يُسر ورحمة، وبينما كنا نرى خطباء المساجد يتحدثون عن عذاب الآخرة فقط! كان هو يتحدث عن النعيم فى الحياة والآخرة، لم أجد مرة جدى مهمومًا أو خائفًا، كان يرى أن الله يحميه وأن المصحف ما دام فى يدَيه لا تهمه الدنيا وما فيها.
لكن رحل كل هؤلاء مَن كنت أظنهم أبو العلا البشرى، والغريب لم أرَ بعد ذلك شخصًا قابلته فى مثاليات أبو العلا البشرى أو هؤلاء الراحلين.
دراما أسامة أنور عكاشة لم تكن تعرف أن يومًا ما سيأتى وضع صعب لا أحد يعرف فيه أن يوضح حقيقة ملامحه وأن يرى الطريق الصحيح بسهولة ويُسر، لم يكن يعرف عكاشة أن التطرف أصبح جماعات إرهابية الآن تتحكم فى مصير دول، وأن الوسطية ورحمة الدين أصبح كل منهما حلمًا، لم يعرف أن التعليم لم يعد لأبناء الشعب كله، فمَن معه الأموال يستطيع أن يتعلم ومن دونها سوف يلجأ إلى طريق أكثر صعوبة.. دراما عكاشة ومثالية أبو العلا لم تكنا ممتلئتين بهذا الخوف الذى نراه فى كل طريق ومن مجهول ينتظرنا أو ننتظره.
نرى ما بقى من مسلسل أبو العلا البشرى وما بقى من مثاليته التى ضاعت الآن فى كل هذا الزحام.. ما بقى فقط صادقًا وحقيقيًّا هو أغنية البداية للمسلسل التى كتبها الرائع الراحل عبد الرحمن الأبنودى، ولحنها الموسيقار الراحل عمار الشريعى، وغناها علِى الحجار «ماتمنعوش الصادقين عن صدقهم ولا تحرموش العاشقين من عشقهم، كل اللى عايشين من بشر من حقهم يقفوا ويكملوا يمشوا ويتكعبلوا ويتوهوا أو يوصلوا، وإذا كنا مش قادرين نكون زيهم نتأمل الأحوال، ونوزن الأفعال، يمكن إذا صدقنا نمشى فى صفهم، الدنيا مالها ولا احنا مالنا ولا الزمان نسانا، إيه جرى لنا بقينا نحبس فى الصدور سؤالنا ونحسد الصادق على صدقه ونقف بين العاشق وبين عشقه، نهرب من الصافيين إذا بكيوا ونحسد الباكيين إذا ضحكوا».
نحن الآن هذا الشخص الذى كتب عنه عبد الرحمن الأبنودى، نحن الذين نحبس فى الصدور السؤال والوجع، نحن الآن مَن نحسد أى صادق باقٍ على صدقه ومبادئه، نحن الذين نقف بين أى عاشق وعشقه لأسباب كثيرة نخترعها حتى نفسد أى عشق، نحن الآن الذين نهرب من جميع الصافيين سواء بكوا أو تحدثوا خوفًا منهم أو خوفًا عليهم، ونحسد أى باكٍ لو قرر أن يضحك حتى ولو كانت ضحكته تمثيلًا علينا.
رحلة السيد أبو العلا البشرى كانت للبحث عن المثاليات الضائعة وعودة كل ما هو صواب إلى طريقه، لكن كانت الرحلة فى وقتها فقط، حتى عندما كتب عكاشة الجزء الثانى من الرحلة «أبو العلا 90» كانت الرحلة تائهة وقتها ما بين الفساد والتطرف.. بينما الآن الرحلة ستكون أصعب وأصعب أمام السيد أبو العلا.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات