.

أصحاب الطاحونة

Foto

عمل الطاحونة لصالح العائلة فقط لم يكن يثير غضب أحد فى القرية فهم أصحاب للجميع ولهم علاقات مصاهرة بأكثر من عائلة أخرى فى القرية التى يزيد عدد العائلات فيها عن أية قرية مجاورة


فى أوقاتنا هذه أصبح هناك أكثر من طاحونة كهربائية للغلال، وهى تحتاج إلى مكان أقل اتساعًا بكثير من الذى تستخدمه الطاحونة القديمة، ظاهرة صارت جزءًا من مشروعات بدأت فى القرية بحثًا عن سُبل جديدة للرزق، وبديلة للسفر إلى الخارج، وإن كان الأمر يتكلف أموالًا كثيرة، لكنه يوفر دخلًا ثابتًا فى مجتمع لا يستغنى أبدًا عن الطاحونة، بل هى جزء من حياته.

والطواحين التى تعمل بالكهرباء غالية الثمن، وقبل الغلاء الفاحش الذى نعيشه لم تكن تكلفة طحن إردب القمح الواحد تعوض الكهرباء المستخدمة فى عملية الطحن، لكن مُلَّاك الطواحين الجديدة استصعبوا أن يقنعوا أهل القرية بفارق أسعار كبير عن الطاحونة القديمة، وفكرة أن يتحدثوا عن الوقت القصير المستهلك فى الطاحونة الكهربائية لا يمكن تسويقها فى مجتمع قروى لا يقدر الوقت بهذه الطريقة.
إحدى النساء التى يعمل زوجها فى دولة خليجية استطاعت أن تحصل على طاحونة صغيرة يمكن استخدامها منزليًّا ولا تحتاج مساحة سوى نصف متر فى نصف متر، يمكن أن تطحن عليها كيلوهات من الغلال، فى شهور قليلة أصبحت السيدة وجهة كل مَن يطحن 10 كجم من الذرة لإطعام الماشية، حيث يرشون الدقيق وكأنه سكر محلى على «التّبن»، ما يثير الماشية للأكل ويفتح شهيتها فعلًا كى تنهى وجبتها كاملة، وكلما توقفت عن الأكل يرش صاحب البهائم الدقيق فتكمل الأكل.
«الطاحونة شغالة لكن مش لناس البلد»، جملة تتردد فى بعض الأحيان لمدة أسبوعين، خصوصًا فى الفترة التى تلى حصاد القمح بدايات الصيف، أو تلك التى تبدأ بعد الانتهاء من زراعة الذرة، وقبل بداية دخول المدارس فى شهر سبتمبر.
يحدث هذا حين تبدأ العائلة المالكة للطاحونة، فى طحن غلالها، وهى عادة كميات كثيرة، فالعائلة تمتلك إرثًا كبيرًا، أفدنة طويلة عريضة، تدر قمحًا وفيرًا وذرة كثيرة، تجعل الطاحونة تعمل لأيام كاملة لصالحهم فقط، نساؤها أيضًا يأتين إلى الطاحونة وتقف السيارات لتحمل الدقيق إلى المنازل.
عمل الطاحونة لصالح العائلة فقط لم يكن يثير غضب أحد فى القرية، فهم أصحاب للجميع ولهم علاقات مصاهرة بأكثر من عائلة أخرى فى القرية التى يزيد عدد العائلات فيها عن أية قرية مجاورة، ويقال إنها القرية التى يعيش بها أكبر عدد من السكان فى المدينة كلها.
عائلة الطاحونة نفسها بنت مدرستَين إحداهما تعرف باسمها بالكامل، والأخرى تعرف باسم الجد الأكبر فى العائلة، مدرستان فى منطقتين بعيدتين بعضهما عن بعض، كل مدرسة من دور واحد فقط مثل الطاحونة، وكأنه النموذج الذى تنتهجه العائلة فى البناء.
تمتد جذور عائلة الطاحونة لسنوات طويلة، ضاربة فى بدايات نشأة القرية، ما جعل العمودية فى بيتها، حتى سنواتها الأخيرة، قبل أن تحل نقطة الشرطة بديلًا لها فى قرى كثيرة، رجال ونساء العائلة يتزوجون بعضهم ببعض، لكن لا اتفاق واحد على أن الزواج مقصور فقط على العائلة، ولا خروج عنها، لم يتم هذا حتى إن كثيرًا ما اشتهرت زيجات لرجال منهم مع نساء أقل منهم مالًا، وهو ما كان يثير غضب كبار العائلة، معتبرين أن ذلك يجعلهم أقل شأنًا فى القرية.
القرية الآن لم تعد تعترف بهذه الحواجز، فكل الفقراء فيها سافروا إلى الخارج وأصبحوا أغنياء، والمال الوفير يحكم فى كل شىء.
ظل مدير الطاحونة، الرجل الكبير الذى ينظر إلى الجميع من خلف نظارة عدستَيها طبقات وطبقات، يعمل فى منصبه لسنوات، عرفت فى ما بعد أنه مُعَيَّن من قبَل العائلة المالكة، وبراتب شهرى، هذا ما يجعله يوجد فى الطاحونة أيام عملها قبل الجميع، يرتب الغلال الجديدة، ويتقاضى الأموال نظير طحنها ويسجلها فى دفتر كبير، ويجلس لمرة واحدة شهريًّا مع كبير العائلة كى يراجع معه دخل الطاحونة الشهرى ومصروفاتها التى لا تتضمن سوى السولار وراتبه وصيانة لبعض أدواتها، وراتب العامل الذى يساعد النساء فى الطحن بالداخل.
مبنى الطاحونة خلفه مباشرة المدرسة التى تعرف باسم الجد الأكبر للعائلة، دورها الوحيد كان مكونًا من عدة فصول إلى جانب بعضها، فصل لكل سنة دراسية وحجرة للمدير والناظر وأخرى للمدرسين، و3 حجرات أخرى تتبدل الأعمال فيها كى تسع ما يمكن أن يجرى داخل مدرسة، ورغم أنها بنيت منذ الثمانينيات وأسياخ الحديد معدة تمامًا لبناء الدور الثانى، فإن هذا لم يحدث طوال السنوات الماضية، فى وقت كانت تتضاعف فيه أعداد الطلاب الملتحقين بالصف الأول الابتدائى كل عام، وبناء دور واحد جديد معناه استيعابهم، واستيعاب المكتبة التى لم يكن لها مكان فى المدرسة، ما اضطر مدرس المادة إلى الاحتفاظ بكتبها فى منزله حتى الآن.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات