.

ع هدير البوسطة

Foto

كان يطمئننى بقدرته على رعايتها مستقبلاً حفاظا على عملى.. كان يسمعها تحثه على الإسراع فى النزول كى تلحق بأحد تدريباتها مثلما كنت أفعل


بابا

فقدت أبى قبل ولادتى لابنتى الكبرى وحفيدته الأولى، بأيام. ومن يومها وفى قلبى غصّة تزداد كلما نظرت إلى عينيها اللتين تشبهانى كثيرًا، واللتين ورثتهما عنه كلتانا.
وقد كان ينتظرها.
كان يعدنى بالانتظام فى جلسات العلاج الطبيعى استعدادًا لقدومها.
كان يعتذر لأعمامى عن عدم انتظامه فى المجىء للبلد كعادته، عقب ولادتى؛ انشغالا بها.
كان يطمئننى بقدرته على رعايتها مستقبلا؛ حفاظًا على عملى. كان يسمعها تحثه على الإسراع فى النزول كى تلحق بأحد تدريباتها مثلما كنت أفعل.
لكنه لم يرَها يوما.
على أنغام محمد فوزى «روحى وروحك من زمان عايشين سوا»، أحكى لابنتى عنه وعن غنائه لى تلك الغنوة بالذات وهو يحملنى لنتراقص عليها سويا، فتباغتنى بسؤالها: وهل لكِ «بابا» أصلا؟ أبكى بشدة لأفاجأ بها تحتضنّى وتُرَبِّت على كتفى: «طب ما تعيطيش.. دى أغنية حلوة أوى».

 

الطرق
كم هى ذكية، خلوقة، عنيدة تمتلك من روح الدعابة والسخرية ما يسهل لها النفاذ لقلب الجميع. لم تكمل أمى تعليمها الجامعى، لكنها تمتلك اليقين بقدرتها على فهم الطب والهندسة والعلوم والفنون وأصول الفقه. وفى محاولاتها الدؤوبة لتخفيف عنى معاناة دراسة الهندسة التى أرغمتنى عليها تطبيقا لأغنية السيدة صباح "ونقول خلاص دى كبرت.. هاتبقى مهندسة" كما كانت تغنيها لى دوما.
تسألنى وأنا بين دفتى الضياع والغرق، «مَالِك؟»
أرد عليها من وسط عشرات الأوراق والمراجع: «عندى امتحان طرق يا ماما ومش فاهمة أى حاجة».
«الطرق.. دى أسهل حاجة، امشِى عدل يحتار عدوِّك فيكِ». تقذف هذه الجملة وتتركنى وقد سقطتُ من فوق مكتبى ضحكا.
وطوال سنينى العملية التى تجاوزَتْ العشرة لم أستفد من علوم الهندسة أكثر من علم أمى.
لم ينفعنى يا أمى سوى «المشيان عدل».

 

«صباح»
تلتف أسرتى حول الطفلة الريفية التى ظهرت فى حياتنا فجأة؛ لتجد الطفلة نفسها بين من يرعاها ومن يدللها ومن يحاول جاهدًا أن يفك طلاسم لهجتها العنيدة والمركبة والملتبسة غالبًا، أذهلتنا يومًا برغبتها فى الاتصال بـ«سولق المركب»؛ كى يرسل لنا بعض العصير، أنقذتنا أمى بالشرح حيث إن «سواق المركب» هو «السوبر ماركت».
  تبقى خالتى هى صاحبة الفضل فى قرار إدخالها المدرسة الابتدائية المواجهة لمنزلنا، توليت مسؤوليتها التعليمية منذ اليوم الأول، أقوم بإيقاظها وتجهيزها للمدرسة وأنتظرها حين تعود لنبدأ سويًّا معركة المذاكرة والشرح والحفظ، وبعد مرور أكثر من شهرين التركيز الجاد والشقا المتواصل نجلس أنا وهى أمام التليفزيون وقد حان موعد الأذان، تقف فخورة وسعيدة تشير إلى مشاهد الكعبة المتتالية على الشاشة «مش ده ركن الحاج عبد السلام اللى ذاكرناه إمبارح؟».
يطل علينا أبى من خلف جريدته متسائلًا: «عبد السلام مين؟».
ينظر إلىّ مندهشًا: «هى بتقول إيه»
أفيق من إغماءتى السريعة؛ لأصرخ  فيها غير واعية إن كنت أضحك أم أبكى: قصدها أركان الإسلام!

 

دعوة                                             
يأتينى صوته فرحًا منطلقًا: «مبروك يا باشا استلمت دعوات الفرح» وهكذا يحب أن ينادينى دائمًا.
يأتى مسرعًا إلى منزلنا الذى يضج بفرحة ساكنيه وسعادة زواره حاملًا معه أولى دعوات فرحنا المنتظر.                                       
أرى الدعوة بين يديه فينشرح قلبى حبًّا وتفاؤلًا، أفتحها، أقرأ الآية فى مقدمة الدعوة فأبتسم ابتسامة بلهاء؛ كى لا أحبط فرحته، ومع ضحكات أُمِّى ووسط غضب صديقاتى يقرأ أبى علينا الآية وهو يضحك لى سعيدًا وشامتًا: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ».     
كنا قد اتفقنا على أن نتقاسم مسؤوليات الفرح شرط ألا نتشارك كى يفاجئ كل منا الآخر «وقد كان».
وفى عام زواجى السادس يزداد يقينى بحدس زوجى وأنا أغنى صارخة فى أركان بيتى: «وما تزعلوش يا بنات إن قُلنا بصراحة.. إن الجواز عمره ما كان رااااااحة».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات