فى ذكرى مرور 25 عامًا على اغتياله: هل تعلمنا من جريمة قتل فرج فودة؟!

Foto

الأصوليون الإسلاميون لا يعترفون إلا بحوار الرصاص والدم.. انتقاد تصرفات بعض المسلمين لا يُعد انتقادًا للإسلام نفسه.. لا تعارض بين الإسلام والتقدم والعلم والتماشى مع روح العصر.. على الجميع التوقف عن نفاق الأصوليين عن طريق القوانين المقيدة لحرية الفكر.. ينبغى الفصل التام بين السياسة والدين.. فهل تعلمنا شيئًا؟!


فى شهر أغسطس 1945، كان مولد فرج فودة يوم 20، وكان اغتياله يوم 8 يونيو ١٩٩٢، وأعتقد أنه مع تعاظم العداء لحرية الفكر فإنه من المهم النظر فى درس اغتياله.

أعتقد أن الدرس الأول هو الاعتراف بأن الأصوليين الإسلاميين لا يعترفون إلا بحوار الرصاص مع كل مختلف عن منظورهم لحياة البشر العصرية، حتى لو كان المختلف معهم يُعلن إيمانه بالدين الإسلامى، وهو ما فعله فرج فودة الذى كتب «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. شهادة مَن يدفعه مناخ ردىء إلى رفع شعار الديانة بديلًا أو سابقًا لشعار المواطنة.. إلخ» «قبل السقوط- هيئة الكتاب المصرية- عام 92- ص41».
الدرس الثانى أن مَن ينتقد تصرفات المسلمين فقد انتقد الإسلام، ومَن يعارض خلط السياسة بالدين ويكشف التاريخ الدموى للخلافة الإسلامية فهو مرتد عن الإسلام ودمه مُهدر بالتبعية، حتى لو كان يُدافع عن الإسلام. وكان فودة فى كل كتاباته يُفرِّق بين الإسلام الدين والإسلام الدولة، وأن انتقاد الثانى لا يعنى الكفر بالأول، وكتب «فى الأول (الإسلام) لا تجد إلا ما تنحنى له تقديسًا وإجلالًا وإيمانًا خالصًا» «المصدر السابق- ص14».
وكرّر نفس المعنى فى كل كتبه، فلماذا كان اغتياله إذن؟ لأنه عندما تعرَّض لتاريخ الخلافة الإسلامية كتب «إن السيف أطار من رؤوس المسلمين أضعاف ما أطار من رؤوس أهل الشرك» «ص15»، وأن المعارضة لم تكن تواجه إلا بالسيف، وأن ما استنكره المسلمون الأوائل من بيعة معاوية لابنه يزيد تطوّرًا فى عهد عبد الملك بن مروان إلى أخذ البيعة لمَن يليه ولمَن يلى مَن يليه. وأستطيع أن أذكر العديد من الأمثلة التى لا غناء فيها، لأنها لا تمس الإسلام فى شىء، وإنما تمس مَن حكموا باسم الإسلام.. والإسلام من أسلوب حكمهم براء» «ص33، 34».
ولكن الأصوليين يخلطون بين الإسلام والتاريخ، ولا يفرّقون بين الدين والدولة، ولهذا فإن كل مَن ينتقد الخلافة الإسلامية أو شركات نهب الأموال، المُسماة شركات توظيف الأموال، ويدافع عن الدولة العصرية التى لا تنظر إلى ديانة المواطن ولا إلى مذهبه، لأن المعيار الأول والأخير هو انتماؤه للوطن الذى يعيش على أرضه ويتمتع بخيراته، وبالتالى فلا فرق بين مواطن وآخر إلا بعمله وليس بديانته. وكان فودة فى كل كتاباته يدافع عن ضرورة فصل الدين عن السياسة، وأن مفهوم المواطنة لن يتحقق إلا فى ظل «عَلمنة مؤسسات الدولة»؛ ولذلك -رغم دفاعه الصريح عن الإسلام- كان لابد من التخلص منه وتصفيته جسديًّا.
ومن هذا الدرس فإن الأصوليين يمزجون بين الدفاع عن الإسلام وبين معاداة العصرنة ومعاداة التقدم والحرية ورفض المفهوم العلمى لمعنى المواطنة، ولذلك يُصرون على نفى المواطنة لغير المسلمين بحرمانهم من الدفاع عن الوطن وأداء الجزية المنصوص عليها فى القرآن.
الدرس الثالث أن فودة فى كل كتاباته كان يُحذِّر من تغلغل الأصولية الإسلامية على كل مظاهر الحياة الشخصية والاجتماعية والسياسية، لذلك كان ينادى بأن «نذهب إلى المساجد والكنائس لكى نسمع موعظة دينية لا يختلف عليها اثنان. ونذهب إلى البرلمان لكى نتطاحن ونختلف دون حرج أو قيد، ليتكلم رجال الدين فى الدين، ورجال السياسة فى السياسة. أما أن يرفع رجال الدين شعارات السياسة إرهابًا، ويرفع رجال السياسة شعارات الدين استقطابًا، فهذا هو الخطر الذى يجب أن ننتبه له» «ص88».
الدرس الرابع أن أصحاب تيار تجديد الخطاب الدينى لم يتعلموا أن فودة تم قتله من إسلاميين يؤمنون بالقرآن والأحاديث النبوية، رغم أنه كان يجادلهم بالقرآن والأحاديث النبوية.
الدرس الخامس أن فودة يختلف عن كثيرين من العلمانيين، لأنه لم يكتفِ بالدفاع عن «علمنة مؤسسات الدولة» وضرورة فصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية، وإنما ضفّر ذلك بدفاعه عن خصوصية مصر الحضارية؛ لذلك كان يتصدى لكل مَن يهاجم القومية المصرية؛ أمثال الشيخ صلاح أبو إسماعيل الذى يرى أن الداعى إلى القومية المصرية مُنتسب إلى الفراعين والعياذ بالله. ومن رأى الشيخ «الجليل» أن المسلم الأمريكانى أهم من المسيحى المصرى. إن الشيخ أصابنى فى أغلى ما أملك -مصر- ذلك الوطن العظيم الذى لا أعرف معنى لوجودى إلا به، ولا أعرف شيئًا يسبقه أو يعلوه انتماءً. وكتب: «أود أن ألفت أنظار أعضاء البرلمان إلى أن عليهم مسؤولية كبرى فى مواجهة رواد الإرهاب الفكرى داخل المجلس. وما دام الشيخ صلاح وأنصاره قد اختاروا المجلس النيابى منبرًا فليتحدثوا بلغته.. وليس للمجلس إلا لغة واحدة، هى لغة السياسة، وليس له إلا جنسية واحدة، هى مصرية.. مصرية» «ص83»، وذكر فى الهامش أن «هذا المقال رفضت مجلة (مصرية) أسبوعية نشره».
وبعد مرور السنوات على اغتيال فودة واغتيال د.الذهبى «وزير الأوقاف الأسبق» ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ.. إلخ، تراكمت أخطار الأصولية بتصويب مدفعيتها التخديرية «بحقن البنج المُدمّرة للعقل فيبتعد عن قضايا المجتمع بربطه بالخرافات» فأخرجت الأصولية الإسلامية من كتب تراث التخلف بعض تلك الخرافات؛  مثل رضاعة المرأة للرجل كى تكون الخلوة شرعية، والعلاج من الأمراض المزمنة بشرب بول الرسول وبول الجمال. وإذا كان الأصوليون مع تلك الرغبة المريضة برجوع عقارب الزمن إلى الخلف، وإذا كانت الثقافة السائدة تهادنهم وتغازلهم، وتستكتبهم الصحف الحكومية والخاصة، وتستضيفهم قنوات التليفزيون (الحكومية والخاصة) حتى بعد انتفاضة شعبنا فى يناير 2011 ويونيو 2013، فالنتيجة هى تحقيق حلم الإمبريالية، حيث تصير إسرائيل دولة عظمى فى المنطقة، ويتم تصنيف مصر ضمن قبائل البدو المتخلفة.
رغم مرور 25 سنة على اغتيال فرج فودة، فإننى أعتقد أن أهم درس هو أن سرطان الأصولية الإسلامية انتقل من رؤوس الأصوليين المسلحين بالقرآن والرصاص إلى رؤوس مَن تحتضنهم الدولة وتعتبرهم من «كبار الصحفيين». والمثال الأشهر على ذلك ما كتبه صاحب مقال أسبوعى بـ«الأهرام»، الذى تطوّع بتقديم دليل براءة الجناة مُنفذى جريمة الاغتيال، حيث كتب «أنا شخصيًّا كنتُ أختلف مع كثير مما كان يطرحه فرج فودة، الذى كان يُفسّر دور الجماعات الإسلامية تفسيرًا جنسيًّا، وهذا هو خطؤه الأول. أما خطؤه الثانى فهو اتهامه بعض أئمة المسلمين والمفسرين بأنهم كانوا من الشواذ جنسيًّا. بل إنه -حاشا لله- فسَّر إحدى آيات القرآن تفسيرًا جنسيًّا. وهذا هو خطؤه الثالث والقاتل» «أهرام 13 يونيو 92» (كان اغتيال فودة يوم 8 يونيو 92، يعنى مقال الصحفى الأهرامى كان بعد خمسة أيام).
ومعنى كلام الصحفى الأهرامى أن فودة هو الذى قتل نفسه، أو أنه هو الذى أعطى المُبرر لقتله كما لو كان يقوم بعملية انتحارية. ومع ملاحظة أن الصحفى الأهرامى لم يُقدم دليلًا واحدًا من كتابات فودة ليؤكد صحة ما ذهب إليه «عن التفسير الجنسى للقرآن أو التفسير الجنسى للجماعات الإسلامية أو اتهام فودة لأئمة المسلمين بأنهم كانوا من الشواذ جنسيًّا». أليست القاعدة الذهبية هى أن البينة على مَن ادَّعى؟ وهل هناك هدف آخر غير تشويه شخصية المفكر الكبير الذى لم تجف دماؤه؟
فى الأسبوع التالى مباشرة «20 يونيو 92» كرر الصحفى الأهرامى نفسه فكتب «ونحن هنا للذين سألونا، لا نناقش فكر فودة، وإن كنت أنا شخصيًّا أختلف معه فى كثير من آرائه وتوجهاته. ولكن هذا ليس وقت الحساب، والرجل فى رحاب الله، أصاب أم لم يُصب، كان الحق فى ركابه أم ركب مطية الباطل، التى قادته إلى حفرة بلا أعماق».
ولأن هذا الصحفى «الكبير» كان يختلف مع فكر المفكر الجليل الراحل، تكون النتيجة أن الحق لم يكن مع فودة، والسبب أنه «ركب مطية الباطل التى قادته إلى حفرة بلا أعماق» من وجهة نظر الصحفى الأهرامى.
وهذا الصحفى لم يكتفِ بأن نقل إلى القارئ رأيه الشخصى فى القتيل، وإنما ادَّعى أن شابًّا (لم يذكر حتى اسمه) قال عن نفسه إنه من الجماعات الإسلامية، فماذا قال هذا الشاب؟ قال للصحفى الأهرامى «فى التليفون» إن «فرج فودة انتحر بكتاباته التى هاجم فيها الدين الإسلامى وأئمة المسلمين بل والقرآن، وفسَّر دورنا تفسيرًا جنسيًّا واتهم الأئمة بالشذوذ، وافترى على آيات الله كذبًا، وهو الذى كتب نهايته بيديه». 
وأعتقد أن الصحفى الأهرامى «الكبير جدًّا» عرَّى نفسه تمامًا عندما ادَّعى أن شابًّا من الجماعات الإسلامية اتصل به وقال له رأيه فى فرج فودة.. وبمقارنة كلام هذا الشاب «فى مقال 20 يونيو» بما كتبه الصحفى الكبير «فى مقال 13 يونيو» نكتشف التطابق التام بين النصَّين، وأن هذا الشاب «الوهمى» هو من اختراع الصحفى، أو أن الصحفى «تقمَّص» شخصية أحد أعضاء الجماعات الإسلامية. والسؤال الأخير فى هذا الدرس الدامى هو: لو افترضنا أن هذا الشاب له وجود مادى حقيقى، فكيف التقت أفكاره مع أفكار الصحفى «الكبير جدًّا» الذى مهنته الكتابة ومعرفته تُغذيها القراءة؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات