هل خافت السعودية من الأردن أم خافت عليها؟

Foto

لماذا صرح الملك عبد الله بأن على الأردن مساعدة نفسها؟ ما المطالب الخليجية التى على الأردن تنفيذها؟


«مواقفنا الإقليمية السياسية أثرت علينا. مش كل واحد عاجبه دور الأردن.. جزء من التحديات التى أمامنا… لازم نعتمد على أنفسنا ونوضح للمواطنين التحديات التى أمامنا» الملك عبد الله، 5 يونيو 2018.

ما سبق كان جزءا من رسالة الملك عبد الله، ملك الأردن، غير المباشرة إلى الأردنيين، الأسبوع الماضى، فى محاولة لتوضيح وشرح أبعاد الصعوبات الاقتصادية التى تواجه بلاده، والتى على خلفيتها اضطرت الأردن إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولى ومن ثم فرض مجموعة من إجراءات التقشف وقانون ضريبة يوسع قاعدة الدافعين، وهو ما رأته قطاعات واسعة من المواطنين والنقابات بمثابة عبء جديد، وهو أسهم بدوره فى إشعال موجة من الاحتجاجات، أقيل على خلفيتها رئيس الوزراء هانى الملقى، فى محاولة من ملك الأردن لامتصاص غضب المحتجين باكرا قبل تطور احتجاجاتهم لمستوى آخر.
بشكل غير مباشر، فُهمت تلميحات الملك عبد الله من قبل البعض وكأنها تعنى بلدانا خليجية من بينها السعودية. أما السبب فهو وفق ما نقلت وسائل إعلام عن تصريحات سابقة للملك عبد الله فى إحدى الندوات من أنها قضية القدس، أو وفق ما أورده وبشكل صريح ممدوح العبادى، نائب رئيس الوزراء السابق فى حوار تليفزيونى فى فبراير الماضى بقوله «الأشقاء يقاطعوننا ماليا.. الآن أنت تدفع ثمن ذلك.. الثمن هو القدس». وهنا فالمقصود ضمنيا هو موقف الأردن الذى بدا أكثر معارضة لقرار الولايات المتحدة نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، والذى كثيرا ما ينظر إليه على أنه قرار تم تمريره بدعم خليجى ضمنى.. لكن هل هى قضية القدس فقط؟
عمليا فإن الأمر قد يبدو أبعد من ذلك، حيث ثمة خلافات وتباينات فى المواقف الأردنية السعودية تجاه بعض القضايا فى المنطقة بشكل عام، ناهيك بطموح سعودى للاقتطاع من دور أردنى تاريخى فى قضية النزاع الفلسطينى الإسرائيلى رافق تصعيد محمد بن سلمان وطموحاته السياسية الإقليمية، ثم هناك ما هو أهم وهو أن هناك نظرة للسياسة الخارجية الأردنية على أنها لم تكن على مستوى توقعات المملكة العربية السعودية فى ملفات عدة فى مقابل ما تمنحه الأخيرة خلال السنوات الماضية.
فعلى خلفية اندلاع احتجاجات الربيع العربى فى عام 2011 بدا أن الممالك الخليجية متخوفة من أن تطالها تلك الاحتجاجات. وفى إطار الصراع بين رياح التغيير ورغبة ممالك الخليج فى تثبيت الوضع القائم كانت ضرورة الدفع لتخفيف وطأة الضغوط الاقتصادية داخل ممالك مثل الأردن والمغرب.
ومن هنا كان قرار المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربى فى دورته «32» المنعقدة خلال شهر ديسمبر من عام 2011 بتخصيص منحة بقيمة 5 مليارات دولار أمريكى، لتمويل المشاريع التنموية فى المملكة الأردنية على مدى خمس سنوات. وبالفعل وعلى مدى 3 سنوات قدمت دول الخليج «باستثناء قطر»، ما يقرب من 3 مليارات و600 مليون دولار للأردن بما مثل عنصرا رئيسيا فى بند النفقات لبلد تضرر اقتصادها بشكل ملحوظ بسبب تقلص حجم تجارتها مع دول الجوار كالعراق وسوريا، وعلى خلفية تحملها مزيدا من الأعباء المالية بسبب نزوح السوريين للأراضى الأردنية، وبسبب مناخ غير مشجج للاستثمار والسياحة بحكم النزاعات فى المناطق المجاورة لها. وأخذا فى الاعتبار محدودية الموارد الأردنية، فإن المساعدات الخليجية مثلت أهمية لدى الأردن ولربما أداة ضغط عليها لاحقا. إذ ترافق خلو موازنة عام 2018 من المنحة الخليجية الكثير من الجدل، وتعددت التفسيرات والتكهنات وقتها، بل وقبلها باكرا، عن أسباب خلاف سعودى أردنى مكتوم. من بين تلك التحليلات ما نشره ديفيد شنيكر الخبير فى الشأن الأردنى بمعهد واشنطن للشرق الأدنى فى مايو 2016 حول أن «الأردن تردد فى تقديم الدعم العسكرى للثوار السوريين الذين يحاولون إسقاط نظام الأسد، على الرغم من الضغوط السعودية»، وأن مستوى مشاركته فى تحالف عاصفة الحزم، وسحب سفيرها من إيران لم يكن كافيا بالنسبة للسعودية، وهى إجراءات فى مجملها «تبدو متواضعة جدا من أن تضمن عودة الرياض عن بخلها السابق». 
عمليا فإن ما رصده باكرًا المحلل البارز ديفيد شنيكر لم يختلف كثيرا عما نقلته صحيفة واشنطن بوست فى فبراير الماضى نقلا عن مسؤول أردنى حدد ثلاثة أسباب للخلاف بين السعودية والأردن، وأوجزها فى عدم إرسال الأردنيين قوات برية للانضمام إلى الحملة العسكرية السعودية فى اليمن منذ ثلاث سنوات، ورفض الأردن الحملة السعودية ضد قطر، واختلاف الأردن مع الدعوات السعودية إلى حملة صارمة على جماعة الإخوان المسلمين على عكس منطق أكثر نعومة يفضله النظام الأردنى فى التعامل مع الجماعة.
وهكذا صحت توقعات صندوق النقد الدولى، ردا على سؤال «كيف سيتأثر اقتصاد الأردن بانخفاض المنح الخليجية؟» حينما قال فى 30 يناير من هذا العام «سيؤدى انخفاض المنح إلى أثر سلبى على الاستثمار العام فى المدى المتوسط»، وهو ما أوصى معه الصندوق بحاجة الإردن إلى «توسيع قاعدته الضريبية وزيادة إيراداته لتلبية احتياجاته المتعلقة بالبنية التحتية». وهو ما فعله الأردن بالفعل بالتوازى مع إجراءات تقشفية أخرى مخلفا ما شهدته البلاد من توترات شعبية داخلية.
وفى ضوء تلك التوترات، بدت دعوة العاهل السعودى الملك سلمان لعقد اجتماع يضم السعودية والأردن والإمارات والكويت فى مكة يوم الأحد الماضى لدراسة سبل دعم الأردن للخروج من الأزمة الاقتصادية التى يمر بها محل تساؤل. إذن تبدو كاستدارة استراتيجية جديدة من السعودية للأردن، قد تكون مدفوعة برغبة فى مفاوضة النظام الأردنى حول ما يجب أن يدفعه فى مقابل حل أزمته فى توقيت هو مجبر فيه على تقديم تنازلات بعد أن عاش توتر الاحتجاجات التى ازداد سقفها بشكل مقلق. أو لربما أن الرغبة القديمة فى تثبيت الممكلة قد عادت خشية من رياح جديدة لاحتجاجات فى المنطقة تهدد العروش وانطلقت من قبل من بلد إلى آخر مثلما شهدنا فى الربيع العربى، أو ربما هو الخوف من أن يتقرب الأردن لخصوم الممكلة العربية السعودية بحثا عن داعمين ماليين لتجاوز أزمتها فتخسر السعودية الأردن ببعدها الاستراتيجى ووزنها الإقليمى.. أو ربما كل ما سبق. إنه الخوف من الأردن أو الخوف عليها، أو هذا وذاك.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات