.

مـن أسعـار شريـف إلـى أسعـار مدبولـى

Foto

ماذا سينتج عن رفع سعر لتر البنزين من 5 إلى 7.5 جنيه؟


كنا فى انتظار رفع أسعار البنزين والكهرباء فإذا بتسعيرة المياه ترتفع، بالإضافة إلى رفع أسعار الكثير من الخدمات، وللإنصاف، فإن حكومة المهندس شريف إسماعيل المستقيلة رفعت المعاشات والمرتبات قبل أن ترحل، وسيكون على حكومة المهندس مصطفى مدبولى استكمال رفع باقى الأسعار، لكن لن يكون بوسع الحكومة الجديدة رفع الأجور مرة أخرى فى القريب العاجل، بل ستواجه الحكومة الجديدة تحديا بضرورة ترجمة الإصلاحات الاقتصادية إلى نتائج يشعر بها المواطن، فهل تستطيع الحكومة فعل ذلك؟ الرئيس السيسى أعطى بادرة أمل عندما قال منذ أيام إن المصريين سيشهدون افتتاح الكثير من المشروعات بعد العيد، وأشار أيضا إلى قطاع المستشفيات الذى يشهد تطويرا كبيرا، وفى ما يبدو نتوقع أن بعد العيد سيكون هناك افتتاح العديد من المستشفيات التى نأمل أن تقدم خدمة صحية مميزة لكل المصريين، ولعل هذه بادرة أمل لتطوير ملف العلاج فى مصر، وبداية حقيقية لتطبيق منظومة التأمين الصحى الشامل، كما سنرى إذا كان هناك افتتاح لمشروعات أخرى تنموية أو تعميرية، فالجميع ينتظر مدينة الجلالة، والعاصمة الإدارية الجديدة، وغيرها من المشروعات التى تثلج الصدر، بيد أن أهم نقطة فى مسألة العاصمة الجديدة أن يتم التعامل بنجاح مع نقل الموظفين إليها مع مراعاة أسرهم وظروفهم المعيشية، من تعليم، وصحة، وسكن، وقدرة على الدفع.. إلخ.

ونعود لمسألة انتظار رفع أسعار البنزين، والتى لم تتضح بعد نسبة ارتفاعه، البعض يقول إن لتر البنزين 92 سيقفز من خمسة جنيهات إلى 7.5 جنيه. زيادة الـ50% هذه سينتج عنها موجة جديدة من التضخم سترفع أسعار كل شىء مرة أخرى، وأنا لا أظن أن تعود موجة التضخم الشديدة التى انتهت فى بداية هذا العام والتى وصلت لأوجها عند مستوى 33%، ولكن أظن أن نسبة التضخم المعلن عنها الآن فى حدود 13% ستعاود الارتفاع إلى مستوى 22%، وهذا أمر منطقى نظرا لزيادة أسعار البنزين والكهرباء، ومن المنطقى أيضا أن الناس تسأل وهل هناك بديل آخر لرفع الأسعار؟ هذا السؤال يعنى البحث عن بدائل، فقد تكون هناك طرق أخرى أخف وطأة فى الإصلاح الاقتصادى، وإلى أن تظهر بدائل معقولة يتم عرضها على القيادة السياسية، وتقبل بها، فإن المسار الحالى مستمر إلى أن نبلغ نتائج الإصلاح، هذا المسار ليس محلى الصنع، بمعنى أن تغييره ليس بالأمر الهين، بل توجد اتفاقيات دولية مع جهات تمويلية دولية مثل صندوق النقد والبنك الدولى، وبالتالى مسار الإصلاح الحالى متفق عليه لأمد معين، هذا بالإضافة لقناعة القائمين على المسار الاقتصادى، بمعنى أن المدرسة الغالبة أو السائدة على توجهات صانعى السياسية الاقتصادية فى مصر هى مدرسة الليبرالية الجديدة، وهى مدرسة تؤمن باقتصاد السوق، وبعملية التحول إلى السوق الحرة بالتدريج السريع، وأحيانا بالصدمة، وهذا بالطبع له ثمن، فهو يضغط على الطبقة الوسطى وباقى المجتمع بطريقة قوية.
مسألة رفع الأسعار تأتى على خلفية أن إنفاق الدولة أكبر من دخلها، وهذا الوضع له أسباب عدة، ومنها فاتورة الدعم، وانخفاض دخل الإنتاج، وتدنى النمو عن النسب التى تنعش خزينة الدولة، بالإضافة لأمور أخرى، وكل حكومة تأتى أو بالأحرى رئيس، يكون لديه أولويات فى كيفية التعامل مع هذا الوضع، فهناك من يحفز الإنتاج، وهناك من يزيد التقشف، وهناك أفكار أخرى، لكننا سنناقش زاوية فنية واحدة فقط نحاول أن نبسطها بقدر المستطاع، ببساطة، الدول التى يكون لديها إنفاق أكثر من الدخل تحاول أن تبحث عن حلول لهذه المعضلة، وتوجد طريقتان مشهورتان للحلول، الأولى هى فرض مزيد من الضرائب بحيث يغطى العجز، والثانية هى الاقتراض من الخارج، وكل الإصلاحات المتفق عليها مع صندوق النقد ترفض مسألة زيادة الضرائب وتعتبرها معوقا للتنمية والنمو الاقتصادى، وتذهب لتبنى القروض المشروطة ومنها رفع الدعم، لذلك سمعة صندوق النقد الدولى غير مريحة بالنسبة للطبقات الوسطى والدنيا، بسبب وطأة الضغط المالى والاقتصادى الذى يعانى منه المجتمع إلى حين نجاح الإصلاح الاقتصادى، على أى حال، مصر اختارت الاتفاق مع صندوق النقد الدولى، ولذلك نفهم لماذا لدينا برنامج اجتماعى تديره وزارة التضامن اسمه تكافل وكرامة، لأن هذا البرنامج يعطى دعما نقديا مباشرا من الحكومة إلى طبقة مستحقة من أجل تخفيف وطأة التحول الاقتصادى عليهم.
لكن ماذا يحدث فى الأموال المقترضة من صندوق النقد، لاحظ أن تلك الأموال تكون بالعملة الصعبة، فى الأغلب بالدولار، وتكون على هيئة شرائح، كلما فعلت خطوات معينة وحققت نقاطا معينة من أجندة الإصلاح الاقتصادى، تأتى لك شرائح التمويل فى وقتها وتزيد من رصيدك بالعملة الصعبة، لكن الإنفاق داخل الاقتصاد الوطنى لا يكون بالعملة الصعبة، بل بالجنيه المصرى، فما فائدة العملة الصعبة فى الداخل المصرى؟ واقع الأمر أن هذه العملة الصعبة تودع فى البنك المركزى، ثم يقوم بطبع الجنيهات بقيمة مطابقة لما حصل عليه من الدولارات، لكن لماذا يريد المركزى الدولارات من أجل طباعة الجنيه؟ أليس بوسعه طباعة الجنيه دون انتظار الدولار؟ نعم بوسع المركزى أن يفعل ذلك، لكن النتيجة ستكون التضخم! هذا هو فكر المدرسة الليبرالية الحديثة، لكن هل هو فكر صائب 100%؟ لا أظن، فمثلا، بوسع البنك المركزى أن يطبع جنيهات شريطة أن توجه إلى الإنتاج، وفى مشروعات البنية التحتية، والطرق، والمنشآت مثل المدارس والمستشفيات، وحتى المصانع، وهذه المشروعات غير استهلاكية، ولا تزيد من الأموال المتاحة فى الأسواق، ومن ثم لا ينتج عنها تضخم، فالتضخم ينتج لأسباب عديدة، ومنها زيادة الأموال فى أيدى الناس عن المتاح من السلع، لكن لو تم توجيه الجنيهات لمشروعات البنية التحتية والإعمار فإن مسألة التضخم تصبح مشكوكا فيها، ولنتذكر أن الرئيس السيسى نجح فى تمويل مشروع قناة السويس من الداخل دون أى قرض من الخارج، ونجح المشروع، وما زال يسدد ما عليه دون أى تأخير رغم حملة التشكيك الكبرى.
فهل ستختار مصر يوما ما أن تتحول إلى التمويل الداخلى للمشروعات؟ أغلب الظن أن هذا الأمر سيحدث فى سنوات قليلة، ولكن التغيير فى هذه الحالة ليس تغييرا اقتصاديا فحسب، بل تغيير فى السياسات والأولويات، والسبيل الوحيد لتبنى مثل هذا السياسة هو زيادة الإنتاج، فنحن نمثل 1.5% من تعداد العالم، وننتج 0.5% فقط مما ينتجه العالم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات