حكومة مدبولى فى مواجهة الاختبار الأصعب

Foto

لماذا كان توقيت إعلان استقالة حكومة شريف إسماعيل مفاجئًا؟ ما حجم التغيير المتوقع فى تشكيل الحكومة الجديدة؟


جاء توقيت إعلان استقالة شريف إسماعيل وحكومته مثيرا للتساؤلات، ورغم أنه يعد تقليدا وعرفا مفهوما بعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأخيرة وأداء السيسى لليمين الدستورية مؤخرا أمام مجلس النواب، فإن عدم وجود نص دستورى ملزم يفرض تلك الاستقالة كان دافعا للتساؤلات عما إذا كانت ستتم أم لا، خصوصا أن عدم وجود هذا النص كان المبرر الرئيسى وراء تفسيرات البعض لإجراء تعديل وزارى محدود فى يناير الماضى قبل شهرين فقط من الانتخابات الرئاسية، والذى كان كثيرون يتوقعون أن يشمل رئيس الوزراء شريف إسماعيل بسبب حالته الصحية وقتها، خصوصا أن التعديل كان قد جاء بعد شهرين من تكليف مصطفى مدبولى رئيس الوزراء الجديد المكلف بأن يكون قائما بالأعمال وقتها.

الأمر الثانى اللافت فى توقيت إعلان الاستقالة أنها جاءت بعد عدة أيام من حلف الرئيس لليمين، وليس بعدها مباشرة، وهو ما دفع بالتوقعات لأن يتم تأجيل أى حديث عن تغيير الحكومة أو تعديلها لما بعد حزمة الإجراءات الاقتصادية الجديدة بالذات فى ما يتعلق برفع أسعار الوقود والكهرباء وتأثيراتها التى ستمتد لرفع أسعار غالبية السلع والخدمات، والمتوقع أن تتم خلال الأيام القليلة المقبلة، إلا أن ما جرى يعنى عمليا أن قرارات الغلاء المقبلة غالبا ستكون هى أول قرارات الحكومة الجديدة بما يحملها مبكرا أعباء الغضب والنقد الشعبى المتوقع تجاه تلك القرارات. ورغم أن سياسة السلطة الحالية تشير لإصرارها على استكمال تلك الإجراءات وعدم التراجع عن أى قرارات أو مسارات حتى وإن كانت تضر بقطاعات واسعة من المواطنين، فإنه ربما كان أكثر ملاءمة سياسيا أن يتم تأجيل تشكيل الحكومة الجديدة لما بعد تلك القرارات، خصوصا أن استقالة الحكومة لا تعدو كونها عرفا وتقليدا كما أشرنا، ورغم أن ذلك فى كل الأحوال لا ينكر حقيقة أن تلك سياسة تنتهجها السلطة ككل وليست الحكومة فى حد ذاتها سواء كان رئيسها شريف إسماعيل سابقا أو مصطفى مدبولى حاليا.
اختيار مدبولى كان هو الأكثر توقعا وترجيحا ليخلف شريف إسماعيل، منذ اختياره قائما بالأعمال، ورغم ما هو مفهوم من أسباب متعددة لاختياره، فإنه يبقى هناك مؤشران مهمان فى ذلك الاختيار، أولهما أنه لثانى مرة من بين ثلاث حكومات فى عهد السيسى يتم اختيار رئيس الحكومة من خلفية وزارة الإسكان وملف العمران، فقد كان رئيس الوزراء الأول إبراهيم محلب الذى جاء قبل شهور من تولى السيسى خلفا لحازم الببلاوى وأعاد السيسى تكليفه بتشكيل أول حكومة فى عهده وزيرا للإسكان قبلها، وهو ما يشير لاستمرار منهج رئيسى فى الاعتماد على أصحاب الخلفية المتعلقة بالتنمية العمرانية بأكثر من التفكير فى شخصيات تنتمى لمجالات أشمل وأوسع فى ما يتعلق بالتنمية بمفهومها الأعم، سواء من خلفيات اقتصادية أو صناعية أو ما شابه، بالذات فى ظل الوضع الاقتصادى الحالى، وهو ما يعبر عن استمرار منهج أولوية التوسع العمرانى وبناء المزيد من المشروعات كأولوية رئيسية للحكومة الجديدة.. أما المؤشر الثانى فهو استمرار منهج الاختيار من نفس المربع، لا فى السياسات فحسب، بل حتى فى أن يأتى رؤساء الحكومة من داخل الحكومة نفسها، فقد جاء إبراهيم محلب من وزارة الإسكان قبل تولى السيسى ثم كلفه بتشكيل أولى حكوماته، ثم جاء شريف إسماعيل من وزارة البترول، وهاهو مصطفى مدبولى يأتى أيضا من وزارة الإسكان.. ورغم ما قد يعزز أسباب ذلك الاختيار من التفاهم والتجانس والثقة من سوابق العمل خلال السنوات الماضية بين الرئيس ورئيس الحكومة الجديد، أو داخل الحكومة نفسها، فإنه أيضا من زاوية أخرى يؤكد منهج الاختيار من نفس المربع، بما يعنى ضمنا الاستمرار فى ذات التوجهات والسياسات دون أى تعديل أو مراجعة.
الترجيحات تشير لأن تشكيل الحكومة الجديدة قد أوشك على الانتهاء، وربما يكون قد تم إعلانها بالفعل قبل نشر سطور هذا المقال، خصوصا فى ظل تقارير صحفية وإعلامية عن حلف اليمين للحكومة الجديدة قبل نهاية الأسبوع الجارى، كما تشير التوقعات لتقليص عدد الوزراء إلى حدود 24 وزارة بدلا من 33، وهو ما يعنى دمج وإلغاء بعض الوزارات، فضلا عن مؤشرات بتغيير ما يتراوح ما بين 6 إلى 10 وزراء من حكومة شريف إسماعيل، أبرزهم وزراء الصحة والتجارة والصناعة والمالية والبيئة، مع أنباء تشمل أيضا وزراء الشباب والرياضة والقوى العاملة، بينما يبقى مصير بعض الوزارات غير واضح ومنها التموين خصوصا بعد أزمة قضية فساد مسؤولى وزارة التموين الأخيرة، والتنمية المحلية التى جاء أبو بكر الجندى وزيرا لها قبل عدة شهور لكن يبدو أن الأزمات التى تسببت فيها تصريحاته ومنها ما تسبب فى أزمة مع مجلس النواب قد تكون سببا فى هذا التغيير السريع إذا جرى خصوصا مع احتمال تكرار فكرة الاستعانة بأحد النواب فى موقع وزارى كما يتردد، وهو ما سبق حدوثه عندما تولى وزير التموين الحالى على مصيلحى موقعه مقدما استقالته من مجلس النواب.
وبينما ينص الدستور المصرى على أن يتقدم رئيس الحكومة الجديد بتشكيل حكومته وبرنامجها للحصول على موافقة البرلمان خلال 30 يوما، وفى حال عدم حصوله على ثقة مجلس النواب يكلف الرئيس رئيسا لمجلس الوزراء من ائتلاف الأغلبية، إلا أن ذلك الاحتمال لا يبدو واردا فى ظل طبيعة العلاقة القائمة بين السلطة التنفيذية والتشريعية، التى تضمن عمليا موافقة المجلس على التشكيل الذى سيقدمه مصطفى مدبولى ويقره رئيس الجمهورية، وكذلك فى ظل صعوبة توقع أن يكون ائتلاف دعم مصر قادرا على تحمل مسؤولية تشكيل الحكومة فى الفترة الحالية، لتبقى النقطة الرئيسية حول برنامج الحكومة خلال الفترة المقبلة التى لا نعتقد أنه سيختلف كثيرا عن برنامج سابقتها، سواء من حيث الاستمرار فى المشروعات، أو المزيد من إجراءات رفع الدعم وزيادة موجات الغلاء، أو الحديث عن تشجيع الاستثمار وخفض عجز الموازنة وتحسين الخدمات، فضلا عن ملفات الصحة والتعليم التى يفترض وفقا للحديث الرسمى السائد أنه ستكون لهما أولوية خلال الفترة الرئاسية الثانية، لكن التحدى الرئيسى الذى ستواجهه الحكومة الجديدة هو أن يستشعر المصريون فعلا قدرا من التحسن فى حياتهم اليومية، ومواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة فى ظل القرارات المقبلة، وهو المحك الرئيسى الذى يمكن من خلاله تقييم أداء تلك الحكومة، والذى بكل أسف لا تبدو مؤشرات أو بشائر حقيقية له، ودعنا هنا من الحديث عن الأرقام والإحصاءات والمؤشرات التى تصدرها التقارير الدولية، فدرس الأردن وغيرها لا يزال حاضرا، وتظل المشكلة الرئيسية فى السياسات التى لا يتوقع أن تتغير وبالتالى لا يتوقع أن تتغير آثارها ونتائجها حتى وإن تغيرت عشرات الحكومات.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات