كيف تكون أصوليًّا فى ثلاث خطوات؟

Foto

كيف تجرّد المعنى القرآنى من سياقه ومن حقيقته على النهج الأصولى؟ ما الطريقة التى تمكَّن بها الأصوليون من زعم امتلاك العلم الكلى بالتفسير الخاطئ للقرآن؟


بداية البداية فى الطريق إلى الأصوليَّة هى أنك إذا أردت أن تكون أصوليًّا جديرًا بالمسمَّى فاحذر أن تسأل نفسك «لماذا أريد أن أكون أصوليا؟»؛ لأن الإجابة يمكنها أن تكشف فورا طبيعة الخواء الذى ملأ نفوسًا سعت إلى كل ما تعنيه الأصولية من العدَمية والجمود والاستعلاء والكهنوت والاستبعاد للاختلاف والتعدُّد البشرى.


بدلا من ذلك، ادخل فورا على الخطوة السهلة من خطوات النهج الأصولى، وهى اختيار قاعدة عامة للدعاية، قاعدة لا يختلف عليها أحد، وبصفة عامة لن تجد شيئًا لا يختلف عليه الناس أكثر من وحى الله ومن كتبه المقدَّسة، فافتح القرآن الكريم وتخيَّر لك آية مناسبة، مثل الآية رقم 89 من سورة النحل، والتى جاء فيها «ونزَّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء».

هنا توقف قبل أن تأتى على بقية الآية، ما قبلها وما بعدها؛ لأن هذه التتمة سوف تجلب السياق الذى سوف يكون حضوره كفيلا بفضح مسعاك، يعنى لا داعى للتطرُّق إلى أن «تبيان كل شىء» الواردة فى الآية، هى تبيان مرتبط بنور الهدى والرحمة والبشرى للمسلمين فى الآخرة، يعنى مرتبط بالدين وليس غيره، وإلا عزّ عليك بعد ذلك التعسّف فى تأويلها على الوجه المطلوب.


الخطوة التالية، هى الاجتهاد فى تفسير هذه القاعدة العامة المعروفة للكل، والمتفَق عليها من قبل الجميع، والمنتَقاة بعناية لهدف التدليس. والتفسير المطلوب أصوليًّا هنا، لا بد أن يكون تفسيرا فى غير السياق الذى وضِعت من أجله القاعدة أو المعنى الذى نزلت لتؤكده الآية، فيصير مثلا «تبيان كل شىء» الوارد فى الآية الكريمة من سورة النحل، مقصودا به «كل شىء» بالمعنى الحرفى للكلمة، أى أن القرآن ليس كتاب المسلمين الدينى المقدَّس وإنما «كتاب علم كل شىء»، العلم الكلى المطلَق والمعرفة النهائية الشاملة، وذلك بالمعنى الحرفى للكلمة أيضا وليس بالمعنى الذى يمليه بالتأكيد سياق الهدى والرحمة والبشرى للمسلمين فى الآخرة.


هنا يتضح لك أن الأصولية فى جوهرها لون من ألوان العداء للسياق، أو للمعنى الكلى، أى للحقيقة. ويجب أن تكون واعيًا فى هذه الخطوة الدقيقة أنك فى منزلة بين منزلتين، فأنت تستنبط من القاعدة الواضحة بذاتها نتيجة أكثر عمومية منها، ليس بغرض التعميم فقط، ولكن بغرض الوصول إلى تخصيص يأتى على روح القاعدة الأصلية، وعلى معنى الآية التى انطلقت منها، ويصل بك وبنا إلى عكس معناهما تماما.


عندما تصل إلى هذا الوعى تكون قد أصبحت جاهزا للدخول فى الخطوة الثالثة، وهى أن تصل إلى نتيجة تبدو منطقية وسلسلة فى ترتيبها، رغم أنها تنطوى على تناقض فاحش عليك أن تتجاهله، ولمزيد من الحنكة فى تجاهله عليك أن تبدو ثابتا وجازما ومطمئنا تماما إلى صحة «علمك الكلى». ولنعُد إلى مثالنا فنقول: إننا مادمنا اتفقنا على أن القرآن الكريم تبيان لكل شىء، ما ترتب عليه أنه كتاب علم كلى، عندئذ تصير الخطوة التالية هى الوصول إلى تعميم جديد يقول إن «من عَلِم القرآن عَلِم كل شىء ومن جَهِل القرآن جَهِل كل شىء». وعندما تعتقد فى ذلك، حاول أن لا تتذكر أبدا عشرات -بل مئات- الآيات من القرآن نفسه التى تحيل المسلم إلى القراءة فى كتاب الكون بالنظر والبحث والتدبر للوصول إلى العلم، ولا تلك التى تحيل إلى العقل البشرى باعتباره أساس التكليف الإلهى للإنسان، وضرورة الاعتماد الكلى عليه، ولا تلك التى تأمر بالسياحة فى الأرض لطلب العلم الحقيقى. انسَ كل هذا وتذكر شيئا واحدا فقط وردِّده بثقة مطلَقة «مَن عَلِم القرآن عَلِم كل شىء ومن جَهِل القرآن جَهِل كل شىء». انسَ كذلك تاريخ كل الحضارات الماضية والحالية والقادمة التى علمت الكثير وعلمته وكشفت الكثير من العلوم والحقائق دون أن يكون أصحابها قد قرؤوا حرفًا واحدا من القرآن الكريم لكنهم طبقوا روحه ومبادئه التى تحاول أنت مُصادرتها والقضاء عليها كليًّا بدعاوى الأصولية.


وما دمت قطعت هذه الخطوة النهائية تكون قد وصلت إلى ذروة الكهنوت الأصولى، فأنت الآن تملك العلم الكلى الإلهى وتدَّعيه لنفسك، وأنت الآن متأكد من أنه لا يوجد علم سواه لأنه علم كل شىء؛ لذلك أنت جاهز لتعرى كل إنسان غيرك من العلم، وأن تصمه بالجهل وقلة الدراية ونقص المعرفة، مع أن الله، سبحانه وتعالى، هو الأوحد الذى يمتاز بهذه المعرفة الكلية التامة الكاملة، وأن الإنسان قُصاراه، مهما اجتهد، أن لا يحصّل غير قليل من العلم، «وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا». لكن كل هذا لا يهم فى مقابل الحصول على الجائزة، والجائزة هى أنه بعد هذه الخطوات صرْت أصوليا تامّ الكهنوت، تستطيع أن تكفِّر كل من يعارضك أو يكشف تدليسك، تكفره ببساطة دون مناقشة ولا علم ولا وجع دماغ.


تبقَّى شىء مهم لا بد أن تعرفه، وهو أن الخطوات الثلاث المشروحة بعاليه، هى بحذافيرها القسمات الأساسية لمنهج الإمام الشافعى، الذى اتبعه فى تفسير آية «تبيان كل شىء» فى كتابه «الأم»، ووصل منه إلى تهميش العقل لصالح «العلم القرآنى الكلى» الذى يستحيل أن يكون علمًا بشريا أو يحيط به عقل غير عقل الله، وهو نفس المنهج الذى سار عليه فى ما بعد، أنصار ما يسمى «الإعجاز العلمى للقرآن».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات