قصة طبيب أنكر «حديث الذبابة» فكفروه

Foto

لماذا كتب الشيخ رشيد رضا فى بداية القرن العشرين أن أحاديث البخارى ليست من أصول الإيمان ولا من أركان الإسلام؟ وكيف كفَّر الأزهريون الطبيب العالم «محمد توفيق صدقى» لأنه رفض «حديث الذبابة»؟


كتب الشيخ «محمد رشيد رضا» فى المجلد التاسع والعشرين من مجلة «المنار»:


«وما كلف الله مسلما أن يقرأ صحيح البخارى ويؤمن بكل ما فيه، وإن لم يصح عنده، أو اعتقد أنه ينافى أصول الإسلام. سبحان الله! يقول ملايين المسلمين من الحنفية إن رفع اليدين عند الركوع والقيام منه مكروه شرعا وقد رواه البخارى عن عشرات من الصحابة بأسانيد كثيرة جدا، ولا إثم عليهم ولا حرج لأن إمامهم لم يصح عنده لأنه لم يطلع على أسانيد البخارى فيه، وكل من اطلع من علماء مذهبه عليها يوقن بصحتها، ثم يكفر مسلم من خيار المسلمين علما وعملا ودفاعا عن الإسلام ودعوة إليه، بدليل أو شبهة على صحة حديث رواه البخارى عن رجل يكاد يكون مجهولا واسمه يدل على أنه لم يكن أصيلا فى الإسلام وهو عبد بن حنين».


وقد كان «رشيد رضا» يقصد بالمسلم الذى يكفّر وهو من خيار المسلمين د.«محمد توفيق صدقى» لأنه كان قد أنكر حديث الذبابة الوارد عن «أبى هريرة» فى صحيح البخارى الوارد فى باب «إذا وقع الذباب فى الإناء»، ويأتى فيه منسوبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع الذباب فى إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن فى أحد جناحيه شفاء وفى الآخر داء»!


والغريب فى موقف «رشيد رضا» أنه رغم صلابته فى مواجهة التكفير إبان هذه المعركة التى نشبت فى بداية القرن العشرين، وتستحق أن نسميها سخرية «معركة الذبابة»، وسببها تكفير الأزهريين لطبيب مجتهد عقلانى مستنير، إلا أنه قد حاول من طرف آخر الدفاع عن «أبى هريرة». وهذا هو نص كلامه فى احتمالات براءة «أبى هريرة» من حديث الذبابة:


«أحدها: أن يكون فى رجال السند إلى أبى هريرة مَن هو مجروح وإن صُحح.


ثانيها: أن يكون ذلك الحديث أو الأثر مرويا عنه بالمعنى، وقد وقع الغلط من أحد الرواة فى فهمه فنقله كما فهمه.


ثالثها: أن يكون ما روى حديثًا رأيًا لأبى هريرة أو غيره ممن روى عنه وعده بعض الرواة حديثًا لاجتهاده بأن مثله لا يقال بالرأى، فما قاله العلماء من أن قول الصحابى إذا كان لا يقال مثله بالرأى له حكم المرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم لا يصح على إطلاقه، والناس يتفاوتون فى فهم ذلك، فما يعده بعضهم منه لا يعده الآخر منه.


رابعها: أن يكون رواه عن أهل الكتاب بالسماع ممن أسلم منهم ككعب الأحبار أو رآه فى كتبهم وهو مما لا مجال للرأى فيه فيعده من قَبيل المرفوع من يأخذ ذلك القول قاعدة عامة، وقد ثبت أن أبا هريرة روى عن كعب الأحبار وأن معاوية قال فى كعب الأحبار: إنهم كانوا يبلون أى: يختبرون عليه الكذب، وقد تقدم ذلك فى هذا المقال نقلاً عن البخارى، وإننى كنت أسىء الظن فى روايات كعب الأحبار قبل أن أرى ما رواه البخارى عن معاوية فيه، وكذا وهب بن منبه».


وفى هذا الدفاع عن «أبى هريرة» -الذى يستحق أن نعتبره مفارقة بالمعنى الكامل- يشير الشيخ بوضوح إلى طائفة مهمة من آفات علوم الحديث، على رأسها اختلاط أقوال الصحابة بأقوال النبى، إما سهوا من الرواة أو عمدا من رواة ومحدثين غلاظ العقول والأكباد اعتبروا أن «قول الصحابى إذا كان لا يقال مثله بالرأى له حكم المرفوع إلى النبى»!، فرفعوا للنبى ونسبوا إليه وكذبوا عليه. ثم إشارته إلى تهلهل سلاسل الإسناد التى اعتبر أهل الحديث فحص سلامة رواتها علما من العلوم، سموه «علم الجرح والتعديل» رغم أنه يعتمد كله على التقدير الشخصى والترجيح الذاتى ثم الحكم على إيمان وصلاح الرواة الدينى، وهو شأن قلبى يستحيل أن يعلمه بشر ويحكم فيه لكن يعلمه الله ويحكم فيه وحده.
والواضح أن ذلك ما هو من العلم بمعناه المعروف اليوم، ولا يمت بصلة لقواعده المجردة وأحكامه الموضوعية فى شىء، فقد يكون حسب كلام «رشيد رضا» أحد الرواة «مصححا» أو «معدلا» وهو «مجروح» وبالعكس، أى مجروح فى علم الله ومصححا فيه.


أخيرا، يشير الشيخ إلى حقيقة تاريخية معروفة عن «أبى هريرة» وهى روايته للإسرائيليات التى نتجت عن صلته بـ«كعب الأحبار» وعن «وهب بن منبه» بكل ما امتلأت به من خرافات وأضاليل نسبت للأسف الشديد كذلك للنبى، إما بطريق «أبى هريرة» نفسه أو بطريق الرواة عنه.


لذلك كله يعود «رشيد رضا» فى مقاله عدة مرات للتأكيد على أن: «ليس من أصول الإيمان ولا من أركان الإسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخارى مهما يكن موضوعه، بل لم يشترط أحد فى صحة الإسلام ولا فى معرفته التفصيلية الاطلاع على صحيح البخارى والإقرار بكل ما فيه».


ولا يفوت الشيخ أن يغمز الأزهريين «المقلدة» بكلمة تعرّض بمدى التزامهم هم الشخصى بما ورد فى البخارى وغير البخارى من أحاديث، أو إباحتهم ترك حديث البخارى -ومن عندى أضيف: بل آيات القرآن الكريم- إذا كان ذلك لوجه التقليد وحده، إذ يقول: «بل ما من مذهب من مذاهب المقلدة إلا وأهله يتركون العمل ببعض ما صح عند البخارى وعند مسلم أيضا من أحاديث التشريع المروية عن كبار أئمة الرواة لعلل اجتهادية أو لمحض تقليد».


وأظن أنه ما من أحد اليوم يمكن أن يرى كارثة فى أن يكفّر الطبيب «محمد توفيق صدقى» وأن تثور حول تكفيره معركة تتداول فيها الصحف والآراء، لمجرد أنه رفض حديثا من أحاديث البخارى وأبى هريرة، ورغم ما يذكره «رشيد رضا» عن هذا الطبيب المسلم من أنه: «من العلماء الذين قضوا حياتهم فى مزج الطب بالعلم الشرعى، وتطبيق المبادئ الإسلامية على أصول العلم الحديث».


أقول إننا قد نكون معذورين إذا لم نرَ فى ذلك كارثة أو أمرا غريبا لأن مهزلة التكفير الأزهرى والسلفى والإخوانى والداعشى، ومن كل صنف ولون، لا تزال هى السائد فى العقل الدينى القروسطى إلى اليوم. وبشكل شخصى لا أظن ذلك غريبا من عقل شب على مفاهيم العلم القديم الذى يعتبر التجريح والتعديل على إيمان الناس ودينهم وصلاحهم علما من العلوم!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات