.

الواقع أكثر ثراءً من الفانتازيا

Foto

يروى الطاهر شرقاوى جانبًا من السيرة الذاتية لشخص يعشق اقتناء الحجارة، بكل أشكالها وأحجامها وألوانها، هذا الشخص يمارس فعل القراءة مع عمله فى كتابة القصص المصورة فى مجلات الأطفال


فى روايته «عن الذى يُربّى حَجرًا فى بيته»، والتى صدرت طبعتها الثانية حديثًا عن مكتبة الأسرة، يروى الطاهر شرقاوى جانبًا من السيرة الذاتية لشخص يعشق اقتناء الحجارة، بكل أشكالها وأحجامها وألوانها، هذا الشخص يمارس فعل القراءة مع عمله فى كتابة القصص المصورة فى مجلات الأطفال، لكنه ينتظر تعلّم مهنة جديدة كالنجارة أو قيادة المترو، أو ربما فكّر فى أن يكون قاتلًا مأجورًا، والتى يراها مهنة مناسبة له، لما يكتنفها من غموض وإثارة، وتمتلك أخلاقياتها الخاصة بها كالشجاعة واحترام الكلمة وعدم الخيانة، باختصار يكتب سيرة حياة إنسان عادى يسكن شقة بلا شرفة تقع فى الطابق الأرضى يطلق عليها «مقبرتى هى عالمى».


شرقاوى يبدو هنا ساردًا محنكًا، يمارس السرد وكأنه يصنع قطعة من الأرابيسك الجميلة، يصوغ جُمله وعباراته مُغلِّفًا إياها بأسلوب أخّاذ، لا يشعر القارئ معه بأدنى ملل، بل يضفى عليه نوعًا من المتعة والإمتاع، لقد آثر شرقاوى أن يكتب الجملة التى تمتاز بالتكثيف وتتجاور أجزاؤها فى انسيابية وسلاسة سرديتين فائقتين، شرقاوى يتكئ على السرد الحوارى الذى يشتمل على حوار الشخصيات أو الحوار الداخلى / المونولوج، إنه سرد ذاتى إفضائى يقترب من اللغة الشعرية، سرد نوعى يسمح له أن يكون فى منطقة لا ينازعه فيها الكثيرون من مجايليه، ومما يلاحظ على كتابات شرقاوى أنه ينحاز إلى الطبقات الأدنى، إنها التيمة الأبرز فى كتاباته، إذ يحاول أن يُسلط عدسته الروائية، أو القصصية، على أهل هذه الطبقات ببقع ضوء ربما تساعد فى أن يراهم الآخرون، وغالبًا ما تدور أحداث قصصه أو رواياته فى أماكن البسطاء الذين يعتبر نفسه واحدًا منهم نَبَتَ من بينهم وتعايش معهم وعايش ظروفهم الحياتية بكل تجلياتها السعيدة والبئيسة، إنه يختار بطله الرئيس من بينهم وينتقى له كذلك أبطالًا آخرين مساعدين من نفس طينته، إنه ينقّب ويفتش فى هذا العالم الثرى الملىء بالحيوات المتنوعة والتى ربما لا يدرى كثيرون عنها أى شىء، تتكون الرواية من ستة عشر مقطعًا/ مشهدًا روائيًا متصلة منفصلة، يمثل كل منها جزءًا من المشهد العام للرواية، فى الوقت الذى يمثل كل منها مشهدًا تامًّا مستقلًا بذاته وبتفاصيله عن بقية مشاهد الرواية الأخرى، البطل المحورى فى الرواية هو الراوى وبعده يأتى عدد من الأبطال الثانويين: الأحجار التى هو شغوف باقتنائها، سيرين التى صالحته الأحلام بسببها، مصاصو الدماء الذين يلتقيهم الراوى أو هكذا يتخيل، وأرواح إخوته أو أقاربه التى تزوره من وقت لآخر، بغية العبث الجميل بمحتويات شقته، أو لاستعارة الأعمال الشعرية، وأولها أعمال أمل دنقل، يظهر الراوى ومحبوبته سيرين التى لا ينسى أى شىء يخصها فى المشهد الافتتاحى وفى آخر مشاهد الرواية، فيما يمر طيفهما فى بعض المشاهد الأخرى، فيما تتراوح أحداث الرواية بين الحلم والواقع، وبطل شرقاوى هنا ليس فانتازيًّا ولا أسطوريًّا ولا خيالًا علميًّا، إنما واقعى يسهل العثور عليه فيما بيننا بيُسر، ولمَ يلجأ إلى الفانتازيا أو الأسطورة، وقد أصبح الواقع أكثر ثراءً منهما، البطل يتراءى مأزومًا ومتأرجحًا بين ما هو كائن/ الواقع الفعلى وبين تمنيه لما سوف يكون/ الحلم، غير أن تصالحه مع نفسه هو ما سمح له بالتعايش السلمى مع مفردات الحياة رغم ضجره أحيانًا منها.. وبعد، هذه إطلالة حاولت فيها أن أسلط بقعة ضوء على هذه الرواية لألفت نظر نقاد آخرين وأفتح شهيتهم تجاهها؛ ليُخْرجوا جمالياتها، بنيةً وسردًا وعالمًا روائيًّا يحتاج إلى العيش فيه وقتًا أطول، وللخروج منها بأساليب وتقنيات كتابية ثرية نوعًا ودلالات تحتمل أكثر من تأويل.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات