سقوط خلافة النبى

Foto

لماذا صعد عبد الرحمن بن عوف لمكان رسول الله ونزل أبو بكر وعمر؟ ولماذا لم يقتص عثمان من ابن عمر؟


صعود سيدنا عبد الرحمن بن عوف -يوم مبايعة سيدنا عثمان- على منبر رسول الله ووقوفه فى نفس مكانه، وكان سيدنا أبو بكر نزل درجة وسيدنا عمر نزل درجة أخرى. ثم قول سيدنا عثمان بمنتهى الوضوح إن هذا يطول ووقوفه أيضا فى مكان رسول الله -على رمزيته- يعتبر بداية مرحلة جديدة وطويلة، بل لا توجد مراحل غيرها فى تاريخ الخلافة الإسلامية المديد.


وهو أيضًا إعلان معبر عن سقوط أو قل انتهاء ما يمكن وصفه بنظام أو مرحلة أو فترة حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى تجسد فى الشيخين العظيمين اللذين سارا سيرته وسنته بين الناس ما وجدا إلى ذلك سبيلا، وكان قوام حكمهما العدل التام الخالص المطلق بين الناس.


وعودة حُكم حكام قريش الكفرة، ألد أعداء الرسول والإسلام الذين نزل فى كفرهم قرآن وبالاسم من فرط إجرامهم فى معاداة الإسلام وإيذاء الرسول شخصيًّا ووجها لوجه

سفيان نفسه الذى قاد كل غزوات الإسلام الكبرى من أول عزوة بدر حتى غزوة الخندق وفتح مكة ضد الله والرسول، ابناه صارا فى خلافة الله ورسوله، واحد حاكم للشام وواحد حاكم للأردن وفلسطين، وابن أخيه حاكم للعراق، أى حوالى نصف الخلافة الإسلامية فى ذلك الوقت. وعبد الله بن أبى السرح الذى شكك فى القرآن نفسه، ولعنه الرسول وأل دمه عيّنه سيدنا عثمان واليًا على مصر فى تأكيد واضح على انتقال الخلافة من مرحلة الرسول ورسالته إلى مرحلة قريش وأطماعها، وأى قريش، حتى لو حاربت الله ورسوله، بل خصوصا لو حاربت الله ورسوله.


وفى الفتنة الكبرى قال د. طه حسين إن حكم سيدنا عثمان ومن بعده بنى أمية نقل الخلافة الإسلامية الوليدة من الحكم من عنصر واحد هو الدين، ونشره وإعزازه والعمل برسالته، إلى عنصرين أحدهما معنوى هو الدين الذى يأمر بالعدل والمعروف ويفرضهما على الرعاة والرعية، والعنصر الآخر هذه النخبة القرشية الحاكمة والتى توارثت وتصارعت وتقاتلت على حكم الأمة الإسلامية طوال تاريخها المديد.


طبعا أنا لا أقصد، وبالتأكيد العميد لا يقصد أن سيدنا عثمان كان أقل عدلا وبرا من الشيخين، بالعكس كان يفوقهما بالمال وإغداقه على المسلمين ناسا وجيشا وسابلة، ولكن المقصود أن بعض سياساته وأولها تمييزه لأقاربه أنهت حكم الخلافة الدينية وبدأت حكم الخلافة القرشية، وأن الخلاف والقتال بين سيدنا على وشيعته والأمويين لم يكن فى بدايته بل جوهره نفسه قتال متدينين على خلافة دينية وإنما قتال أبناء عمومة على أيهما الأحق فى خلافة ابن عمهم رسول الله.


وجاءت أول أزمة فى خلافة سيدنا عثمان بمثابة اختبار لهذه النقلة.

عبد الله ابن سيدنا عمر تملكته الجهالة وقتل الهرمزان المجوسى الذى أسلم وهو يقتله، وجفينة المسيحى الذى صلب وهو يقتله وهجم على بيت أبو لؤلؤة المجوسى وقتل ابنته، على ذنب لم يقترفوه فى قتل والده الذى نفذه أبو لؤلؤة أمام الناس جميعا، وفى مسجد رسول الله وقتل نفسه، وكان أمام سيدنا عثمان خياران:
إما أن ينفذ شرع الله كخليفة لرسوله حرفيًّا ويقتص من ابن عمر كما كان سيدنا عمر سيفعلها بكل تأكيد وكما نصحه سيدنا على وقال له «اقتص من ابن عمر»، وقيل إن عبد الله بن عمر لم ينضم إلى جيش معاوية حتى قتل إلا فرارا من سيدنا على الذى كان سينفذ فيه قصاص الهرمزان وجفينة وابنة لؤلؤة المجوسى.


وإما أن سيدنا عثمان سيوائم ويتحسب كحاكم لقريش ويعرف أنها لن تقبل بقتل واحد من خيرة شبابها بعد قتل والده الخليفة وفى ثلاثة ما هم إلا موالى وعبيد فى بيوتها.


واختار عثمان قريشًا، ويقال إنه اعتمد نصيحة عمرو بن العاص واعتبر أن القضية برمتها وقعت قبل عهده وخارج مسؤوليته، ويقال إنه اعتبر نفسه ولى عبد الله ودفع عنه دية القتلى لبيت المال كما فى الفتنة الكبرى وغيرها، ولا أعرف لماذا لم يؤد الدية لأهل القتلى أنفسهم، إلا أنه فى النهاية لم ينفذ شريعة القصاص المستحقة على عبد الله بن عمر، وإن كان اعتمادا على تأويل آخر لشريعة القصاص، وهى خصيصة أخرى فى تاريخ سيدنا عثمان، فعندما كُلّم فيما أعطى ذوى قرابته من بيت مال المسلمين قال «إن عمر كان يحرم قرابته احتسابا لله وأنا أعطى قرابتى احتسابا لله»، وحينما اتهمه معارضوه بالخروج على كتاب الله وسنة رسوله قال متحديا «إن رأيتم فى كتاب الله أن تضعوا رجلى فى القيد فافعلوا»، هذا فضلا عن مقولته الشهيرة وهو فى الثمانين من عمره وفى عز الثورة التى خلعته فى تراجيديا دموية خالدة على مر التاريخ: «والله لن أخلع ثوبا ألبسنيه الله».

وهذا كان بداية مأساة التشبث بالحكم باسم الدين وباسم الله وتنفيذا لشريعته التى أجرت وما زلت تجرى وستظل تجرى أنهارًا من الدماء.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات