.

بعد لم ينتهِ الكلام..

Foto

لم أتعود الكتابة عن جمال، ولا فكرت لحظة من قبل، فقط أنا «عشته»، عشته إنسانا بالمعنى الذى يجعل من الإنسان فيضًا من الرحمة والتواضع والإحساس بالآخرين


لا أعى بالضبط أين أقف فى تلك اللحظة مما جرى، وبشكل أكثر صدقا كأنما أدير ظهرى لزمن ما بعد الرابع عشر من أغسطس ٢٠١٥.. عبارتى تضيق بقدر تلك «المجرة» من المعانى، التى قيض لى الله أن أجاورها لاثنين وأربعين عاما مضت، ولما بقى لى من عمر.

أستسمحكم أن لا تتوقعوا منى «كتابة» عن جمال الغيطانى، فلعل الصمت وحده قد يكون أبلغ رسول.


لم أتعود الكتابة عن جمال، ولا فكرت لحظة من قبل، فقط أنا «عشته»، عشته إنسانا بالمعنى الذى يجعل من الإنسان فيضًا من الرحمة والتواضع والإحساس بالآخرين، عشته كاتبا يرى فى الكتابة فعلا إنسانيا مقاوما للنسيان، عشته مثقفا رفيعا تواقا للعدل، والحرية، منحازا للناس وحقهم فى الحلم، عشته عارفا بمصر بشرا وحجرا، تاريخا وجغرافيا، واقعا وكأنه تنسمها وتشربها.


شأنى والجميع، عرفت فى حياتى ألوانا من الفقد والرحيل، إلا أنى لم أواجه فقد «الذات» إلا مؤخرا، لم أجرب عيشا فى العراء إلا قبل عام، ولا تعرفت على معنى انكشاف الظهر «للطل»، إلا مع يوم بعينه.


شأنى شأن الجميع، لم تبرأ حياتى من محطات الحزن، ولا خلت من غلالات الكدر، لكن لم أدرك إلا مؤخرا، أن علىّ التعايش مع حزن مقيم، وكمد لا يغادر، وأنهما سوف يكونان «قهوتى» المستدامة، يرقدان فى قاع كل ما يصلنى من مذاقات، وروائح، يختلطان بأحرف قادنى «هو» إليها، أقرأها أو أكتبها، بنغمات أخذت طريقها إلى أسماعى عبره «هو»، بألوان لوحات علمنى «هو» كيف أحسها، واعذرونى إن بدا قولى متشرذما، مبعثرا، شتاتا بغير حدود، تائها غير متسق، فتلك حالى، مهما بدوت ومهما ضنت علىّ الظروف ولو ببعض الحق فى أن أكون كما أنا، وهذا أمر شرحه يطول.


لم يكن «الزواج» إلا مجرد خيط واحد من نسيج عريض أوثق كلا منّا للآخر، وولعلنى فى أحوال عديدة كنت أستشعر اختلاطا أو مستويات أو أنواع من المشاعر والأدوار بحيث لا أجد لها سياقا واحدا متعارفا عليه، وبحيث تبدو علاقة ارتباطنا الاجتماعى مجرد «جزء» أو بعض قليل مما يجمعنا. فى قرارة نفسى لم أكن أبدا مشغولة بنوعية الرباط، أو توصيفه، كل ما بإمكانى قوله أنى كنت فى «مكانى»، حيث ينبغى، وكما أحس: الألفة والأمان والتواصل والكرامة والونسة والتوقد والاكتمال والحميمية والود والتحقق، كان «كونى» «هو»، كون له نواميسه التى وعيتها منذ اللحظة الأولى، وأيضا «نواقيسه» التى كثيرا ما كانت تدق مع أفراحنا البسيطة وانتصاراتنا الصغيرة.


التقيت جمال وأنا على عتبة الجامعة، كلية الآداب جامعة القاهرة، قسم اللغة الفرنسية التى سرعان ما غادرتها لأدرس الفلسفة، أو بالأحرى، لأتفرغ للعمل فى مجلة «صباح الخير» التى التقطتنى وحولت مسار حياتى من الحلم بالعمل الأكاديمى، إلى الغوص فى أعماق الحياة والناس، والتعبير عن شجون وسعادات الناس والتى كانت مهدا وجسرا.


لست ممن يعولون كثيرا فى الحياة على التخطيط المُحْكم (بضم الميم وتسكين الحاء)، ربما بعض الخطوط والاستشرافات، لكن داخلى نوع من «الحدس» الذى عشت أتبعه ولا أرتاح لو خالفته، حدس أقرب إلى «الفطرة»، ولقد كانت فطرتى هى «جمال» وهى دليلى الأول فى صحبة جمال، أو «جيمى»، وهى صنو استمرارى لاثنين وأربعين عاما وإلى أن يحين «الحين» مع جمال. وهكذا منذ يوم لمحته، واقفا لأول مرة أمام مصعد مؤسسة «روزاليوسف»، كأننى من «كتف» باد عن بعد، قد استشرفت إحساسا قادما، كان غامضا وقتها، لا أدرك كنهه، ولا أستطيع تفسيره ساعتها، وأيضا ولا أريد أن أسرد مسار أحداث تلته، لكن «حدسى» هذا هو ما كان يقودنى دوما فى «كونى»، الذى «هو»، بدروبه ومسالكه، فى صفوه وغيمه، حتى فى تلك الأوقات التى قد تشى، بما تشى، كنت أتبع هذا الحدس الذى لم يخذلنى، وأدين له بامتنان أن قادنى إليه، إلى «جمال».


«جمال».. وما أدراكم من هو جمال، ليس فقط بالنسبة إلىَّ أو إلى امتداده محمد جمال الغيطانى الدبلوماسى بوزارة الخارجية ودارس الإدارة بجامعة كولومبيا والاقتصاد بجامعة بوسطن، وماجدة جمال الغيطانى خريجة لندن، سكول أول أوف إيكونوميك وجامعة نيويورك وباحثة الدكتوراة حاليا بجامعة شيكاجو.. ولقد تعمدت أن أشير إلى تكوينهما المعرفى، فقط لأقول أن كل درجة علمية تحصل عليها أحدهما، إنما كانت استثمارا لجائزة رفيعة كللت جانبا إبداعيا فى مشروع الغيطانى.. كان مدركا أن المعرفة هى الطريق الوحيد «وأنها الثروة الحقيقية» مهما تبدلت القيم أو ساد الركيك.. كان «تاريخ مصر» هو حواديت ما قبل النوم لمحمد وماجى، ومثلما كان «سقنن رع» بطلا، قطع سيناء سبع عشرة مرة مدافعا عنها ولدفع الهكسوس، كذلك كان إبراهيم الرفاعى ومجموعته القتالية رمزا بطوليا قادما من نفس الأصل. وكما كانت «إيزيس» نبعا كذلك كانت العذراء مريم، وكانت السيدة زينب.

أحب جمال «مصر» عن «معرفة»، وفهم عميق لتاريخها، لم يبثها أهازيجا فارغة، أدرك قيمتها فوضعها حيث ينبغى أن تكون، عرج صاعدا بمعرفتها، إلى ذروة صوفية الحب. وهكذا فعل بالنسبة لأبنائه ولأعداد لا أعرف مداها من البشر، أعداد وألوان من مختلف الألوان والحضارات، ولج بهم جمال الغيطانى إلى «بهاء المعرفة»، مد جمال الغيطانى وفرش حولهم دوائر نور الثقافة والجمال، بسلاسة وانسياب، بتواضع وخفض لجناحين عفيين من الإبداع والثقافة.


فى حضره القارئ وعلى مساحته، أستشعر حرجا فى الكلام عن جمال المبدع، فلست بمتخصصة، ولا أرى نفسى أمتلك الأدوات ولكن ذلك لا يمنع من اجتهاد أرجو أن لا تجرح مصداقيته الرابطة الاجتماعية.


إن الغيطانى الذى لم يخرج من رحم الرواية الغربية، وأسس لمشروع أصيل تأسس على السرديات العربية، قدم نهجا إبداعيا لم يلق ما يوازيه على المستوى النقدى العربى، ولعل الزمن كفيل بقراءة واجبة وأصيلة بنفس القدر.. كان جمال الغيطانى مخلصا «للكتابة» الإبداعية التى لم يكن ليعادلها عنده لا بشر ولا شىء، والتى لأجلها نذر لها كل نفس، كل طلة، كل معارفه والثقافة، والذى كان إخلاصه للكتابة أقرب إلى إخلاص الرسل لرسالاتهم، الرسل المؤمنين المستأمنين، لم يكن فى حياته أسبقية على «الكتابة»، ولا كان يسمح ولو بمجرد الاقتراب من تلك المنطقة التى أطلق عليها «مرمى القتل»، و«قدس الأقداس» فى «دلالات» لا تحتاج إلى شروح.

كثيرا ما كنت أحار وأنا أراه منغمسا فى أنواع من القراءات العميقة فى الفيزياء أو الفلك، كان يستوقفنى تصديه لأنواع من المعارف تبدو للوهلة الأولى غير وثيقة الصِّلة بمجال الرواية أو التاريخ، كنت ألاحظ كل فترة «هجمة» لنوعية من العلوم، واضطررت يوما أن أساله، وكان رده: إن كان سؤالى الأكبر عن الإنسان ووجوده والمصير، فكيف لا أسعى إلى فهم ما يجرى؟


علىَّ أن أسر صادقة، بأنى كنت قد انتويت اقترابا أكثر حميمية للكتابة عن جمال، عن تربيتته على كتفى، ونبرات صوته لما ينادينى «يا جميل»، وشعورى بامتلاك الدنيا، لما يصفو وتنسحب من عينيه، ولو إلى حين، دمعتان معلقتان أزعم اكتشافهما قبل واحد وأربعين عاما، وددت لو كتبت عن رقراقة صوته وهو يتتبع طائرة أقلت ماجدة الصغيرة على شاشة الكمبيوتر، أو وهو لا يريد أن ينام قبل أن يعود محمد للبيت، كنت أتمنى لو أسمعتكم هدهداته «لمالك»، وحكايات جدو فرعون، لو أطلعتكم على تيه كان يشملنى وأنا أرى خاتمى الذهبى حاملا اسمى حول إصبعه، مهما كان، تمنيت لو رويت لكم عن حوارات لم تنقطع ولم تكتمل، وددت لو أقول ببساطة عن الوحيد الذى كان قادرًا على أن يشعرنى بالسعادة والحزن، بالفرح والغضب، بالذى أجلسنى على العرش، وأسبغ علىَّ لقب «ملكة» منذ يوم ٢١ أبريل ١٩٧٤، نعم كنت به ومعه «ملكة».. عمَّ أكتب؟ بعد لم نكمل ولا انتهى الكلام، بعد لم أرتوِ ولا اكتفيت.. مرق «زمانى»، فجأة قبل أن أكتب، وليس أن «أعيش»..


وهل يمكن لأحرف أيا كانت بلاغتها أن تدغم أعمارا: من الوهج والود والولع والإنجاز والفرح والغضب والحب والكد والحلم والوجع والأمل؟ هل يمكن لكلمات بعينها أن تكشف عن أزمنة محملة، متخمة، حبلى طوال الوقت بوعود الحياة؟ هل تستطيع «كتابة» أن توجز ٤١ عاما، يعنى: ٤٩٢ شهرا، ١٤٩٦٥ يوما، ٣٥٩١٦٠ ساعة؟


كنت انتويت صادقة، أن لا أمارس فرارا مقنعا بالكتابة عن العام، لكنى أضعف بكثير من أن أواجه، أواجه نفسى.. برحيل «نفسى»!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات