.

قصة الفقير الإسبانى النازح للشمال

Foto

وتقوم أحداث الرواية على مرتكزين أساسيين، وهما الطبقة البرجوازية القطالونية وطبقة الفقراء فى الأحياء المعدمة فى جبل الكرمل وجيناردو.


تقدم رواية «الأمسيات الأخيرة مع تيريسا» تشريحا دقيقا للمجتمع الإسبانى فى فترة ما بعد الحربين الأهلية الإسبانية والعالمية الثانية، أولى روائع أعمال خوان مارسيه، والصادر عن المركز القومى للترجمة، ونقلته إلى العربية كل من، آمال عبد الحميد، وبسمة محمود، وسالى وهدان.


وتقوم أحداث الرواية على مرتكزين أساسيين، وهما الطبقة البرجوازية القطالونية وطبقة الفقراء فى الأحياء المعدمة فى جبل الكرمل وجيناردو.


بطل الرواية فتى فقير نزح إلى إقليم قطالونيا الغنى بحثًا عن لقمة العيش.

وهنا يطرح أديبنا قضية مهمة ما زالت لها رهنيتها اليوم فى إسبانيا وقطالونيا فى العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين، قضية الهجرة من الأقاليم الفقيرة إلى الغنية فى القطر الواحد، ما يعانيه المهاجرون من الفاقة والتهميش والتميّز والازدراء.


يرسم خوان مارسيه تضاريس المكونات الاجتماعية فى الإقليم بدقة بالغة وبالكثير والكثير من الباروديا. فالبطل النازح من الجنوب يتمكن من الولوج إلى عالم البرجوازية القطالونية والمنغلقة على نفسها، والتى تنعم وحدها بالعيش فى بحبوحة وتراخ لا يقوى الفقراء على الحلم بهما. أولا بإقامة علاقة مع خادمة فى قصر أسرة ثرية ثم بالوقوع فى حب ابنة هذه الأسرة الثرية التى تدرس فى الجامعة، وأحداث الرواية هى تراوح مستمر بين الوسط الفقير فى الأحياء العشوائية حيث الفقر والسرقة والمشاحنات الدائمة، وبين وسط الأغنياء فى القصور والمنتجعات والوسط الجامعى حيث تدرس تيريسا وحيث يعم مناخ من الفوران الثورى النخبوى الناعم، والذى لا يمت إلى واقع قطالونيا المرير بأى صلة.

وهنالك إيحاء مستتر بجو كابوسى قمعى لا يشار إليه فى الرواية بشكل واضح، ونقصد بذلك إلى إسبانيا كانت تعيش تحت وطأة حكم الجنرال فرانكو.


ويرصد خط السرد الأساسى علاقة الحب بين تيريسا، الفتاة الثرية والطالبة الجامعية المنشغلة بالفكر الثورى نتيجة قراءتها الفكر اليسارى الفر نسى والذى لا يعدو كونه ترفا يمارسه البرجوازيون فى برشلونة، وبين مانولو الذى يعمل فى الظاهر فى ورشة أخيه لإصلاح الدراجات فيما يقوم فى الحقيقة بسرقة الدراجات النارية وبيعها.


وتتطور الأحداث ويحدث التقارب بين مانولو وتيريسا بناء على اعتقاد خاطئ منها بأن الفتى الجنوبى يعمل فى تنظيم سرى قوامه جماعات من عمال المصانع، فتنجذب إليه وتنشأ بينهما قصة حب، أما النهاية فمعروفة ومحتومة ووجودية، إذ ينفضح سر لص الدراجات ويزج به فى السجن.


وقيمة هذه الرواية تكمن فى لغة السرد وفى التجديد الروائى، إذ تتناءى عن أسلوب الواقعية التقليدية، فهى ترصد الواقع ولا تحاكمه، وتناقش الأفكار دون أن تلتصق بأى منها، وتراقب سلوك الأفراد ولكن دون أن تدينهم.

أما السرد نفسه فيتقدم فى عدة مستويات. فعلى الرغم من أن الرواية فى ضمير الغائب، فإنه من جنس الراوى الشريك حين يتعرض لشخصية البطل مانولو ثم يعود ليأخذ مكانه الطبيعى عندما يعامل بقية الشخوص، فى مقابل ذلك هنالك خط من السرد الموازى قوامه مجموعة من المناجاة الذاتية التى تعمق الدراما الحياتية لكل فرد من هذه الكائنات البشرية التى تعانى من أزمات وإضرابات وتناقضات هى حصاد مناخ اجتماعى وسياسى خانق. ومن السمات الرائعة لهذه الرواية نقاء الأفكار وتناولها، وكذلك الرسم الشفيف لمناخ الطبقات الاجتماعية التى يتنقل فيما بينها البطل.


فالشحنة الاجتماعية التى تحملها الرواية هى خليط من السرد الواقعى والفكر السوسيولوجى الثقافى الراقى المتأسس على سلوك مجموعة من الشباب المتأزم الذى يطرح أعراضا لمشكلات وأمراض لاحقة سيكشف عنها مرور الزمن، وذلك بأسلوب مجرد نزيه ومتدفق.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات