.

«إسعاد».. التى تغير اقتصاد مصر!

Foto

الفنانة إسعاد يونس، التى يعرفها الجمهور المصرى والعربى عبر المسرح والسينما والتليفزيون عبر حسّها الكوميدى المتميز، وهى أيضًا منتجة سينما جسور، وصاحبة شركة كبيرة للإنتاج الفنى


تحت رعايتها -إسعاد يونس- يقام معرض فى مدينة الشيخ زايد لـ«صُنع فى مصر»


هل يمكن لبرنامج أيًّا كان مُقدمه أن يغير من توجهات الجموع إزاء الاقتصاد أو الاستهلاك؟


الإجابة التى هى بالإيجاب تؤكد خطورة «المحتوى الثقافى» للتليفزيون، والذى قد ينجح فى ما يمكن أن تعجز عنه حكومات. حكاية دالة شهدتها مصر مؤخرا، وهى تبنّى برنامج تقدمه «إسعاد يونس» وبطريقة غير مباشرة على الإطلاق، فكرة أعادت للوجود المنتج المصرى الذى يصنعه القطاع العام الحكومى، إلى الصدارة، بل إن الشركات التابعة للحكومة التى كان الناس قد نسوا حتى اسم ما تنتجه، راحت تضاعف من إنتاجها مرات، لتلبى طلبات الناس.. إسعاد يونس لم تطلب من الجمهور أن يشترى إنتاج بلده أو يسانده، كل ما فى الأمر أنها جاءت بالمنتجات، من مربات وعصائر أو ملابس أو أحذية، أو غيرها، وراحت تجربها وهى تستحضر أيامًا لم تكن هناك غير هذه المنتجات، وعملت «خلطة» حنين.. نعم خلطة من الذكريات والمذاقات والأيام الحلوة، وحكت واستضافت أناسًا يقاربونها فى العمر، وانفك حبل الذكريات وانفكت معه «عقدة» الإنتاج الذى كان انصرف عنه الناس، ودخل المصريون فى سباق باتجاه منتجاتهم المحلية، وصارت مظاهرات على الوسائط الاجتماعية تعيد اكتشاف منتجات أُهمِلت، ليجدوا أنها أرخص وأجوَد.. ليس فى الأمر مبالغة عند القول إن «إسعاد» غيّرت من توجه الناس لدرجة مضاعفة الإنتاج لأنواع كان الناس قد انصرفوا عنها، ربما لعقود؛ لظروف وأمور كانت تعزّز وتدفع لوأد الإنتاج الحكومى لصالح الاستيراد.

«قها» و«إدفينا» منتجات عاشت عليها مصر، بل إنها الشركات التى حملت على أكتافها تصنيع وجبات الجيش المصرى فى أثناء حرب ٧٣، لكن متغيرات عديدة كادت توقفها وتحطمها، حتى جاءت الست إسعاد.. إسعاد نجحت فى ما فشل فيه وزراء وحكوميون.. استردت للمنتج المحلى قيمته ومكانته، دون طَنْطَنة ولا كلام كبير، وتلقف الناس منها الراية وأكملوا الاكتشاف من الشيكولاتة وحتى القماش والحذاء.. كان الأمر باعثًا على التأمل: كيف لمحتوى إعلامى شديد البساطة أن يصل تأثيره إلى هذا القدر من الجدية؟


الفنانة إسعاد يونس، التى يعرفها الجمهور المصرى والعربى عبر المسرح والسينما والتليفزيون عبر حسّها الكوميدى المتميز، وهى أيضًا منتجة سينما جسور، وصاحبة شركة كبيرة للإنتاج الفنى.. فى العامين الأخيرين، دخلت الفنانة إسعاد يونس معترك التليفزيون من خلال «صاحبة السعادة»، لكن مَن هى المعنية بهذا اللقب الرفيع؟ لم يحتَج الأمر أكثر من مساحة محدودة من الزمن، اكتشف خلالها المتلقى أن إسعاد الفنانة يبدو أنها قد اهتدت إلى «كود» إعلامى هو «السهل المُمتنع»، كود يخصّها وحدها، يصل ما انقطع من الذاكرة الوطنية (بالمعنى الأشمل والأعمق لهذه الذاكرة) ويلتقط شذرات من صلب الوجدان المصرى، تاهت، أو تبعثرت، يعيدها إلى موضعها الحميم بعد أن تزيح عن سطحها عدوان الجهل والتفريط، وهما أخطر ما تواجهه أجيال تصطف جيلاً بعد آخر فى طابور «عراء وتصحُّر وجدانيين».


ليس من قبيل المبالغة ولا المجاملة اعتبار الصيغة التى اختارتها الأستاذة إسعاد يونس لتقديم إسهامها الراقى فى حب مصر، من خلال برنامج «صاحبة السعادة»، نموذجًا فريدًا يجمع ما بين العمق والسلاسة، التلقائية وهدوء النبرة.


برنامج راقٍ وممتع فى آن واحد، نموذج تحققه لـ«بهجة المعرفة» وسط خارطة إعلامية أهم ما تتميز به هو افتقادها متعة المعرفة الحقّة، وهيمنة بُعد واحد.. خارطة فى مُجملها قد استكانت إلى سكة وحيدة فى الإعلام، منتزعة من مفهوم مصطَنع، وبوجوه مصطنعة.


الأستاذة إسعاد يونس، بعفوية وتلقائية ظاهرتين، وفطرة أصيلة، عرفت كيف تختار، وأين تتوقف، وما الجسور إلى ما يصل أجزاء الكل بعضها ببعض.

تسير بهدى إحساس صافٍ، تدعمه ثقافة واعية، هادئة النبرة، تعيد بناء الوجدان المصرى من حيث هى تزيح ركام التجاهل، علَّ هناك مَن ينتبه ويضيف إلى ما تأسس.


توظف إسعاد يونس لبنات شديدة التنوع، تستدعيها من عُمق زمنى لم تمر عليه أكثر من عقود، أو من زمن سحيق، تقربها من أسماعنا تارة، ومن أنوفنا تارة أخرى، ومن قلوبنا فى كل الأحوال، علَّنا نتذكر أو نستفيق.

أجمل وأذكى ما فى برنامج «صاحبة السعادة» هو ذلك التكامل فى معنى الوطن، معنى مصر، الذى هو المراد من ربّ العباد.


معنى الوطن وجدانيًّا، ذلك الذى يرقد فى قاع القلب كخلاصة، والذى لا تستطيع أن «تلمه» فى كلمة، مقطع من أغنية، لقمة من طبق معبق، ناصية من شارع، رائحة مكان، انعطافة ناصية. كل ما يربطك بهذه الأرض، ويتراكم، ويتراكم، كل ما يوجع قلبك أو يفرحه، كل ما يتغلغل ويسير مع دمك فى الشرايين، التى إن حاولت قطعها انتحارًا، نزف القلب، وابتأست الروح.

إسعاد يونس مستوعبة، هاضمة، رأسها هو التاج الذى تستظل وتأنس وتطمئن إليه، لا تملك إلا أن تشحن كل طاقات وَعيك وهى تأخذك إلى روعة إعادة الاكتشاف «العادى» والمألوف، اليومى وما تظنه عابرًا.. كل ذلك باللطافة المصرية، وجدعنة بنت البلد، وأناقة عقل غير فارغ، وتمكن، وذهن يقظ. كل ما توقفت عنده «عناصر ثقافية» تنتمى لهذا الوطن، عكس ما سبق وذكرته، أمسك بتلابيب «حتة من مصر»، والذى يؤكد أنه من الممكن أن «تثقف» الناس دون أن تعذبهم، وأن الفن الإعلامى أمر مختلف عما يروج له من مساخر، وأن بإمكانك أن تبنى وجدانًا دون صراخ.


على قدر ما تمكنت من المتابعة لـ«صاحبة السعادة»، كنت أستعيد كثيرًا من الطاقة الإيجابية، كنت أحاول بعض الأحيان أن أحس ما يصلنى بإحساس مقتبل العمر، وكنت أتساءل لو أن من يعبئ قنبلة بالمواد الحارقة، أو يصوب رصاصة نحو آخر أو أخرى، أو مَن يلقى بالنار على قلوبنا.. قد استشعر تلك النغمات أو امتلأ قلبه ببشر الضحك، أو ارتوى عبر أجهزة إعلام الدولة قبل القطاع الخاص بحلاوة النظر والسمع والمذاق، ببساطة وسلاسة نموذج كصاحبة السعادة، ألم يكن من الممكن أن تتغير أشياء؟! أرجو أن لا أنقاد وراء مبالغة، ولكن ماذا يعنى إعادة بناء وجدان غير ما تفعله هذه السيدة؟!


فضل الصدق والبساطة فى التلقى، ولها أيضًا فضل أن توصل لك إحساس أنها أختك، أو أمك، وأنها لا تتعالى، لا عليك ولا على مَن تستضيف، وأن قلبها يرتجف، وأنها تتلو الآيات الحافظة من القرآن والإنجيل، وأن امتنانها بلا حدود لله الحافظ لصاحبة السعادة وأولادها.


ما كل هذه الرجولة والعطاء! أين أنتم يا مَن أعطيتم فى صمت ولم تأخذوا! طوبى لكم، وإن كنا لا نستحقكم، «صاحبة السعادة» تستحق. إعادة بناء الوجدان الإنسانى ليست منشورًا ثوريًّا، وربط الناس بجذورها الطيبة ليس خطابة، ولضم حبات العقد المنفرط شرطه الأول أن تعى قيمة الحبات وأن تعرف كيف تدخل الحبة لطرف الخيط.


«إسعاد» مصر فى «صاحبة السعادة» البرنامج، يتحقق بأن تعرفها وتدرك قيمتها، تفعل ذلك بصدق، ببساطة النفَس الذى تتنفسه، وحلاوة شربة المياه. نحن بحاجة لاسترداد الثقة ليس فى أنفسنا فحسب بل فى كل مكوناتنا، نحن بحاجة لأن نحمى أنفسنا وهذه المكونات.. من أنفسنا!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات