.

«الست روزا».. سيدة الصحافة العربية التى قاومت الإغلاق والمصادرة

Foto

تلك السيدة التى تهيمن فى صمتها على من يعلموننا، لدرجة أنهم يطلقون عليها «الست» وأحيانا من دون اسمها «روزا»، ومكتفين بذلك اللقب، «الست» مكللا باحترام يليق


تفتح وعيى على صورتها فوق جدران المؤسسة وعمرى قبل العشرين، طلتها بالأبيض والأسود، «بروفايل» أحيانا، وبالمواجهة أحيانا أخرى.. بقبعة صغيرة لا تخفى الشعر أو «تربون»، أو بشعر متوسط الطول بفارق جانبى.. ربما كانت وقت التقاط إحدى الصور قد تجاوزت مشارفها الأربعينية بمدى، لكنها كانت «فى كامل مشمشها» كما عبر سيد شعرنا الحديث: محمود درويش «امرأة تدخل الأربعين.. امرأة فى كامل مشمشها». عيناها نفاذتان، مكحلتان بتحديد هائم وفم فى كل الصور مضموم الشفتين، وملامح أحاول جاهدة أن أركبها على شخصية الفنانة المسرحية حينا، والمؤسسة لدار صحفية حينا آخر.. كثيرا ما كنت أسترق النظر متأملة، تلك السيدة التى تهيمن فى صمتها على من يعلموننا، لدرجة أنهم يطلقون عليها «الست» وأحيانا من دون اسمها «روزا»، ومكتفين بذلك اللقب، «الست» مكللا باحترام يليق، وهو اللقب الذى لم يعرفه جيلى إلا لقبا تحمله أم كلثوم. دخلت المكان بعد أن رحلت عنه «الست»، وعن دنيانا، بأربعة عشر عاما، تغيرت خلالها مصر وتبدلت الأحوال، لكن حضورها كان حاكما للمكان ومن فيه، كان استحضار «كودها» المهنى يرد فى أحيان كثيرة على أى التباس، أو «غواية» مهنية تبعد أو تشرد عما أسسته فاطمة اليوسف ورأته ركيزة لمؤسسة تحمل اسمها «روزاليوسف».. لكن «نحر» الزمن، لا يترك شيئا على حاله، وإن أفلت منه فعل «الكتابة» المقاوم للنسيان.. وبقايا شاحبة، تستميت كى تبقى ولو إلى حين.. لكن التاريخ لا يتوارى ولا يشحب.. هو «حاضر»، ربما بقوة تفوق مساحات من «الحواضر».. هكذا وجد نفسه زميلنا رشاد كامل الذى دخل مؤسسة فاطمة اليوسف «روزاليوسف»، محررا فى «صباح الخير»، الشقيقة الشابة لروزاليوسف، والإصدار الذى خرج إلى الوجود قبل عامين من رحيل «الست»، عام ١٩٥٦، فسكرتيرا للتحرير، ثم مديرا للتحرير، وجلس على مقعد رئيس التحرير، وفى كل المراحل، ومنذ كان على عتبة تحت التمرين، صار التاريخ «غوايته» وهوايته.. كأنه وجد ضالته فى أن يرى الحاضر فى استقراء ما كان.. «كان» ولكن لم يمضِ! خمسة وأربعون عنوانا، مر خلالها على طلعت حرب والسادات ويوسف إدريس وعبد الناصر، ثم أخذ نفسا عميقا ونزل إلى بحر ما سمّاه: «تراث اليوسف»، «المدرسة الصحفية» بكل مشتملاتها: الجريدة أو المجلة والكتابة والكاريكاتير، والشخوص أو الأعمدة التى ارتكزت عيها المدرسة والتى قد تكون صاحبة تأثير لأنها كتبت، مثل أستاذنا الكبير بحق «صلاح حافظ» رحمه الله، أو رسمت أو كانت من نتاج إبداعى وتحولت بتأثيرها إلى حضور متجاوز للبشر مثل الشخصية الكاريكاتيرية «المصرى أفندى»، أو تكون هى نفسها الجذر المؤسس لمدرسة قارب عمرها قرنا من الزمان.. كما فعل حين راح يتعقب كتابات «الست» روزا نفسها التى رحلت فى أبريل ١٩٥٨، بعد عشرين عاما من أول مرة قررت فيها أن تجمع ما بين الإدارة وترؤسها للإدارة وبين الكتابة التى لم تخضها إلا بعد ثلاثة عشر عاما من صدور مجلة روزاليوسف.. المجلة صدرت أكتوبر ١٩٢٥، والست كتبت عام ١٩٣٨.


رشاد كامل له من سلوكيات «النمل»: الدأب.. يمكنه أن يحفر نفقا بإبرة، وهو على استعداد أن يبيت على الطوى، وحضنه حفنة من الكتب، يستخرج منها مجرد سطور توثق معلومة، وهكذا كان الأمر يستحضر ذكريات فاطمة اليوسف، «المنسية»، بينما هو يعد كتابا عن روزاليوسف: الجريدة التى قالت لا.. عن الجريدة اليومية التى أصدرتها روزاليوسف ابتداء من ٢٥ فبراير ١٩٣٥، وأسندت رئاستها إلى الأستاذ محمود عزمى، وكان عباس محمود العقاد أحد كبار كتابها، إذا برشاد «رزقه فى رجليه» كما يقال، ويكتشف تاريخا غير مدون لمصر من قصاصات الست روزا التى لم يكن أحد يميز بينها وبين ما صدر عام ١٩٥٣ تحت عنوان «ذكريات»، والذى أصبح من مراجع البحث الجادة فى تاريخ مصر السياسى، فالست روزا سياسية، صحفية، من طراز فريد، لو قيمت دورها بمعايير الأمس واليوم، هى بالفعل كما قال عنها «الجورنالجى» بامتياز والأستاذ بحق فى المهنة، محمد حسنين هيكل: «سيدة الصحافة» العربية الحديثة، ولم ينافسها حتى الآن اسم آخر. بطريقة النمل الدؤوب راح ينتقل رشاد كامل من معلومة إلى حكاية ومن حكاية إلى مرجع ومن مرجع إلى مجرد هوامش فى كتاب، حتى وصل إلى ٧١ صفحة، بمثابة الكنز، نشرتها «الست» على مدى ٢١ أسبوعا، يختلف تماما عما نشر من قبل.


ذكريات فاطمة اليوسف المنشورة عام ٥٣، هى ذكريات سياسية صحفية بالمقام الأول، أما أوراق الكنز الجديد فلربما كان أقرب للحميمية.. كانت ميمى، الابنة وشقيقة إحسان عبد القدوس، وراء ظهور هذه الكتابات وخروجها إلى النشر.. فى كل مرة كانت تنصت إلى أمها تسترجع ذكرياتها مع زملاء المجلة، كانت تقترح على الست فاطمة أن تكتبها، وكانت الست «تصهين» بحجة عدم وجود فضى «لما أفضى»، ولكن إلحاح ميمى جاب نتيجة وكتبت فاطمة اليوسف فى المقدمة: «إن الكثير من الذكريات، كنت أدونه فى مفكرتى والباقى لا يزال مطبوعا فى الذاكرة، فليس مما سوف يطالعه القراء شىء من المغالاة أو الخيال أو التزويق أو التنميق، لكنهم سوف يطالعون الحقائق مجردة، سيان بعد ذلك عندى أن حكموا لى أو علىّ…».


فى ٢١ فبراير ١٩٣٨، حوت الصفحة الرابعة من عدد روزاليوسف، تنويها بسيطا: «ابتداء من العدد القادم تبدأ السيدة روزاليوسف فى نشر مذكراتها الطريفة عن حياتها الصحفية، وسوف يرى القراء صفحات رائعة مليئة بما يثير فى نفوس القراء حاسة الشغف فى تتبع حلقاتها». نشرت ١٧ حلقة وتوقفت فى أغسطس ٣٨، لتعاود بعدها بعام تشرح أسباب التوقف، والتى اكتفت بأنها «أسباب خاصة»، لا هى أفصحت ولا الأستاذ رشاد وجد تفسيرا، وإن كان يظن أن نشوب الحرب العالمية الثانية وفرض الرقابة على المطبوعات وتولى أحمد ماهر مهمة الحاكم العسكرى، كان السبب.. يرى الأستاذ رشاد كامل أن العامين اللذين كتبت فيهما فاطمة اليوسف خواطرها الصحفية كانا الأكثر انتظاما فى الكتابة بالنسبة لها، وأنها قبل ذلك لم تكن تنتظم.. أولى مقالاتها كانت تتناول أمور الفن والمسرح، ثم انغمست فى السياسة، وأول مقال سياسى لها حمل عنوان «فى محكمة الجنايات.. ملاحظات ممثلة وصحفية»!

سجلت فى المقال خواطرها بعد حضورها محاكمة الدكتور أحمد ماهر فى قضية الاغتيالات وهاجمت القاضى الإنجليزى «مستر كرشو».. كتبت كثيرا فى السياسة وكتبت عن معاناتها مع الرقابة والمصادرة ودافعت باستماتة عن حرية الصحافة وخلافاتها مع حكومات ذلك الوقت، وكتبت عن ذكرياتها مع زعماء ورجال أحزاب.

فى حوار صحفى أجرته قبل فترة قصيرة من رحيلها قالت للصحفى عبد التواب عبد الحى: إن قصة كفاحى طويلة ورهيبة، لو وجدت الوقت الذى أحكيها لك فيه، لما وجدت أنت الورق الذى تكتب فيه سطورها.. لقد عشت مع روزاليوسف اليومية ثم الأسبوعية ٣٣ عاما أنصهر فى فرن السياسة.. اهتزت الأرض من تحتى مرات ولم أهتز.. وضعت مبادئى أمامى ومضيت العمر أحميها من غربان السياسة وفئران القصر.. كنت أقف وراء كل سياسى كبير يلف حول عنقه شرفه ووطنيته، وأتخلى عنه فى اللحظة التى يخلع فيها رباط عنقه.. صادروا مجلتى حتى كان يَصدر عدد وتُصادر خمسة أعداد.. وقاومت.. أغرونى بالمال وعذبونى كثيرا بالتهديد، وقاومت.. أرسلونى فى نزهات عديدة إلى النيابات العمومية أحيانا وأحيانا إلى سجن مصر.. وقاومت. لقد كتبت مسحة عابرة من قصة كفاحى فى كتابى «ذكريات» أما بقية القصة فما زالت فى قلبى مختلطة بدمى، وآمل أن أكتبها يوما، أو يكملها، بعد أن أصبح «ذكرى».. ابنى إحسان.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات