.

من محمد طلعت حرب بك.. عن «الإمام» «الشيخ» الذى أراد إرجاع الإسلام إلى مجده

Foto

كان للشيخ محمد عبده حساد ينقصونه كما كان لغيره من كبار المصلحين وأرباب العقول السامية، فلم يجدوا تهمة إلا ألصقوها به بلا سبب، ولا دسيسة ولا وشاية ولا قذفًا إلا رموه بها من غير ذنب


«… كان يخيل للعارف بأحوال الشيخ فى جهاده المستمر أن المسائل التى كانت تشغله وادعاها إلى اهتمامه هى الدين الإسلامى الذى كان يريد إصلاحه، لا بإدخال مذاهب جديدة أو عيادات أخرى، ولكن بتجريده من الأوهام والآراء الفاسدة التى أدخلها عليه الجهل أو مقتضيات السياسة وجعله بالجملة كما كان قبل تشويه الجهل إياه للدين الحنيف الذى كان يعلمه لأمته النبى، صلى الله عليه وسلم».


كان للشيخ محمد عبده حساد ينقصونه كما كان لغيره من كبار المصلحين وأرباب العقول السامية، فلم يجدوا تهمة إلا ألصقوها به بلا سبب، ولا دسيسة ولا وشاية ولا قذفًا إلا رموه بها من غير ذنب، ولم يعقه ذلك عن المداومة.. ألزم حساده والجاهلين وخصومه باحترام أفكاره.. كان لمعاشرته أكبر فيلسوف شرقى، الأفغانى، أثره فى عقله، وكان له نفس الطموح إلى الأفكار التى صارت غرضه الذى يعيش لأجله ألا وهو الإصلاح للدين الإسلامى وإحياء وطن الإسلام وتجديد عظمته مستعينًا بقوة يقينه.


لما قامت حوادث الفتنة العرابية كان الشيخ متقلدًا فى نظارة الداخلية، عمل محرر الجريدة الرسمية، فظن أن الوقت حان لتنفيذ خطته فى الإصلاح وحكم عليه بالنفى، ولما رأى خيبة آماله استأنف جهاده، ثم دعاه جمال الدين الأفغانى إلى باريس وحرَّر «العروة الوثقى»، وفى سوريا التى عاد إليها استفادوا من دروسه.


ما حلّ الشيخ فى مكان إلا ترك فيه بصمته والمعجبين، ولما عفا عنه الخديو توفيق عاد إلى مصر فرجعت إليه جميع المحبات.


سيذكر مَن عاشروه أنه كان شديد الحب لوطنه مخلصًا فى إسلامه، وإن كان قد وُجِد له «عيابون» قادحون، ربما كان عيبهم مبنيًّا على الظواهر، فإن له من المعجبين أضعافًا مضاعفة.. كان نهمًا فى الاطلاع وأسدًا فى الرأى، ولذلك ساح كثيرًا فى أوروبا والمشرق، وكان أينما حل باعثًا عما ينفع للعمل الجليل.. درس ضروب الحضارات والأخلاق بحرية فى الفكر وجولة فى الفكر يندر وجودهما، وكان له جوابه البليغ على أننا سائرون فى طريق التقدُّم، كاشفًا عن سعة اطلاع وتسامح فى مواجهة المهاجمين.


كنت أعرفه معرفة ذاتية، لذا أنا أشد تأثرًا ممن لم يعرفوه، فأنا أعرف حبه لوطنه ومدى شدة هذا الحب.
وأنا أخط هذه الرسالة وصلتنى رسالة من بلجيكا تفيد وفاة أمريكى كان شديد الإعجاب بالشيخ وكان من أصدقائه هو سدنى سميث، الذى جمعتنى به ألفة واستقامة الرأى، وكانت له عندى مكانة لمحبته لبلادى ودينى وذوده عنهما، فإن كان تعلم كيف يرى الدين الإسلامى لهذا أرى وقع المصاب مضاعفًا.


كان مشهد وداعه رهيبًا كما وصفت الـ«إيجيبشيان جازيت»، وكان نازلة لكل مَن يسمع عن رحيل المعلم الأول كما قالت جريدة «تربيت» الفارسية، فهو الحكيم الأفضل والفقيه الأعلى، ورحيله مما يورث الحزن والذى قال عنه حافظ إبراهيم:
زَرَعتَ لَنا زَرعًا فَأَخرَجَ شَطأَهُ.. وَبِنتُ وَلَمّا نَجتَنِ الثَمَراتِ.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات