يونيو من النكسة إلى الهزيمة.. كيف خرج الفلاحون والعمال ليعلنوا تمسكهم بعبد الناصر؟

Foto

كيف منعت الجماهير المصرية إسرائيل من تحويل انتصارها العسكرى إلى هزيمة سياسية للعرب؟ لماذا أكدت حرب أكتوبر أن هزيمة 67 كانت نكسة يمكن تجاوزها لولا المواقف السياسية لأنور السادات؟


 «إسرائيل تبقى على أمل أن تتغير الأنظمة (وتأتى) أنظمة تقبل أن توقع معاهدة صلح مع إسرائيل.. تبقى إسرائيل فى أماكنها (على خطوط وقف إطلاق النار) على أساس أن تحقق النصر السياسى بتغيير الأنظمة…»

جمال عبد الناصر- يوليو 1968
«فيا كل رجل وامرأة فى إسرائيل، بشّروا أبناءكم أن ما مضى هو آخر الحروب ونهاية الآلام وأن ما هو قادم هو البداية الجديدة للحياة الجديدة…».
أنور السادات- القدس المحتلة

فى الخامس من يونيو من عام 1967 شن الكيان الصيهونى عدوانًا واسعًا أراده أن يكون ضربة قاصمة لحركة التحرر العربية، ظن قادته أنهم حققوا هدفهم عندما أعلن جمال عبد الناصر تنحيه عن السلطة، ولكن فى اللحظة التى كانت تحترق فيها آليات الجنرالات المهزومين، ويهيم الجنود المذهولون على وجوهم فى الصحراء بحثًا عن النجاة وعن تفسير، ويغرس العدو حربته فى جبهة جبل الشيخ، ويرقص الغزاة المنتشون على دمائنا فى أزقة القدس، ويستعد الزعيم للعودة «إلى صفوف الجماهير.. كأى مواطن آخر»، خرج فلاحو وعمال وطلبة ومهنيو ذلك الزمن العربى -الذى يبدو اليوم موغلًا فى البعد- يعلنون تمسكهم ليس فقط بشخص جمال عبد الناصر، وإنما الأهم بما يمثله من تجسيد لحلمهم فى مجتمع عادل متحرر من الاستعمار والتبعية كان قد تم قطع شوط كبير فى وضع أسسه. كانت تلك الجماهير نتاج الإصلاح الزراعى والتصنيع، والتعليم الجامعى المجانى وتكافؤ الفرص فى التوظيف، وكان خروجها خط الدفاع الأخير عن هذه القيم والسياسات بعد أن انهارت الجيوش.
كان خروج الجماهير فى 9 و10 يونيو 1967 حدثًا استثنائيًّا فى تاريخ الشعوب حرم الكيان الصهيونى من تحويل انتصاره العسكرى إلى هزيمة سياسية لحركة التحرر العربية، وأجل دخول العرب زمن شيوخ النفط والطوائف وعصر الهيمنة الأمريكية إلى ما بعد حرب أكتوبر. لم يكن هذا الخروج رد فعل عاطفى على قرار جمال عبد الناصر بالاستقالة، وإنما تعبير عن تغيير أنتجته ثورة يوليو وشقيقاتها فى سوريا والعراق والجزائر فى وعى وإرادة الشعوب العربية. لم يقض العدوان الصهيونى على ذلك الوعى ولا على تلك الإرادة، فقد صمدت المجتمعات وأعادت بناء الجيوش التى بدأت فى القتال بعد أيام من العدوان. كذلك لم ينه العدوان انتصارات حركة التحرر العربية، فبعد شهور قليلة من العدوان كانت عدن تتحرر من الاحتلال البريطانى الأطول فى الوطن العربى، وبعد عامين كانت ثورة الفاتح التى أغلقت القواعد الأمريكية فى ليبيا. كان التطور الأبرز فى هذا السياق ولادة حركة المقاومة الفلسطينية التى تدفق على معسكراتها آلاف المتطوعين المؤمنين بأن الصراع صراع وجود وليس صراع حدود، بل إن النظام العربى الرسمى نفسه لم يفقد قدرته على الفعل كما ظهر فى قمة الخرطوم وقراراتها فى ما يتعلق بالصراع العربى- الصهيونى، وأيضًا فى نجاح قمة القاهرة فى وقف مذابح آيلول الأسود قبيل ساعات من رحيل جمال عبد الناصر. أضف إلى ذلك أن حلفاء مصر وسوريا سواء فى الكتلة السوفييتية أو فى العالم الثالث لم يتوانوا عن دعمهما لإعادة بناء قواتهما المسلحة ولمنع الكيان الصهيونى من إضفاء الشرعية على إنجازه العسكرى. فى ظل هذه التطورات والأوضاع كانت مقاربة العدوان باعتباره نكسة يمكن تجاوزها، إن لم تكن أيضًا فرصة لتجذير الوعى الاجتماعى وإطلاق الحريات للقضاء على المفاهيم والممارسات التى أسهمت فى نجاح الشق العسكرى من العدوان، أمرًا مشروعًا وواقعيًّا، وليس تخديرًا للجماهير أو تهربًا من النتائج العسكرية للعدوان التى أعلن جمال عبد الناصر استعداده لتحمل كامل المسؤولية عنها. كانت بطولات الجنود فى حرب الاستنزاف وصمود المواطنين معززة لهذا الاعتقاد، وجاءت انتصارات الجيشَين المصرى والسورى المشتركة فى الأيام الأولى من حرب أكتوبر لتؤكد أن ما حدث فى يونيو 1967 كان نكسة يمكن تجاوزها لولا المواقف السياسية لأنور السادات فى أثناء المعركة وفى المفاوضات التى تلتها، والتى لم تنقذ الكيان الصهيونى فقط من هزيمة عسكرية مريرة، بل منحت قادته أيضًا أكبر انتصار سياسى منذ تأسيسه حتى ذلك الحين: اعتراف رئيس أكبر دولة عربية به.
لم تأتِ البداية الجديدة التى بشر بها السادات الإسرائيليين فى خطابه فى القدس المحتلة بتغيرات استراتيجية كارثية على حركة التحرر العربية فقط، بل كانت الحياة الجديدة التى دعا إليها فى هذا الخطاب وبالًا على غالبية طبقات المجتمع المصرى، وأيضًا على الدولة المصرية ذاتها. ويعد البون الشاسع بين استجابة المجتمع والدولة فى مصر للتحدى الذى فرضته النكسة عليهما من جانب وبين تفكك المجتمع المصرى والانهيار شبه الكامل لكثير من مؤسسات الدولة المصرية اللذين بدأ بعد حرب أكتوبر من جانب آخر، من أكثر الأمور إثارة للانتباه فى الخمسين سنة الماضية. ولا يمكن تفسير الأمرين بكلفة حربَى الاستنزاف وأكتوبر النفسية والعسكرية، فالأداء العسكرى الجيد عادة ما يعكس ليس فقط كفاءة مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وإنما أيضًا رسوخ قيم إيجابية فى المجتمع كالتضحية والجماعية والحرص على الإتقان، وعادة ما يعززان هذه القيم ويساعدان على استخلاص دروس تساعد على زيادة كفاءة مؤسسات الدولة. كذلك فقد ترتب على صلح السادات مع الكيان الصهيونى -بغض النظر عن تقييم الكاتب السلبى له- تدفق المعونات المالية والتقنية من الولايات المتحدة وحلفائها على مصر بعد أن خضعت للهيمنة الأمريكية، وأيضًا استعادت الدولة المصرية بعد حرب أكتوبر الكثير من الموارد المالية والاقتصادية، مثل إيرادات قناة السويس والثروات الطبيعية فى سيناء التى حرمها العدوان منها، وهى الموارد  والمعونات التى إذا ما كان أحسن استخدامها للصالح العام لساعدت الاقتصاد المصرى ليس فقط على تجاوز كلفة العدوان وإعادة بناء القوات المسلحة وحربى الاستنزاف وأكتوبر، وإنما أيضًا على زيادة قدراته الإنتاجية وتطويرها، ولكنها بدلًا من ذلك استغلت لبناء طبقة جديدة من الأثرياء المتحالفين مع شبكات الفساد فى مؤسسات الدولة والمرتبطين عضويًّا بالولايات المتحدة. إن ما يعانيه المجتمع والدولة فى مصر اليوم ليس نتيجة كلفة الحروب ضد الكيان الصيهونى، بل هو كلفة السلام معه وعائده. فمن أجل تمرير هذا «السلام» شن السادات مستعينًا بالتيار الإسلامى وبعض مؤسسات الدولة حربًا شرسة على وعى المجتمع الذى كان قد مكنه -أى المجتمع- من إدراك الجوهر الاستعمارى والتوسعى للكيان الصهيونى وطبيعة الصراع معه، وأيضًا على قيم المجتمع التى مكنته من التماسك بعد العدوان وإعادة بناء قواته المسلحة. كان الهجوم على هذا الوعى والقيم قد بدأ بوتيرة منخفضة منذ مايو 1971، ولكنه تحول إلى حرب مفتوحة استهدفت نسيجى المجتمع الوطنى والاجتماعى بعد حرب أكتوبر. كانت الجامعات ساحة رئيسية لتلك الحرب، وأُوكل للإسلاميين الذين استباحوها بدعم من بعض مؤسسات الدولة مهمة أسلمتها تمهيدًا لأسلمة المجتمع بأكمله. وفى إطار هذه الحرب استخدمت أسخف الأساليب لتشويه وتسفيه كل الإنجازات التى حققها المجتمع المصرى منذ ثورة يوليو 1952، فمعركة تأميم قناة السويس وبناء السد العالى على سبيل المثال -والتى كانت تجسيدًا لصمود وإرادة المجتمع المصرى ومثالًا ملهمًا للشعوب المستعمرة- لم تكن ضرورية وفقًا للخطاب الساداتى (نسبة للتوجه السياسى- الاجتماعى وليس فقط الشخص أو عهده)، لأن بريطانيا كانت ستنسحب من القناة (فى أثناء الحرب الباردة!) بعد انتهاء مدة امتياز شركة القناة، وكأن الالتزام بالاتفاقات والتعهدات كان من شيم الاستعمار. أما السد فقلل من جودة مذاق الخضراوات والفاكهة! وفى السياق ذاته تحول الاتحاد السوفييتى -والذى لولا دعمه الاقتصادى والعسكرى لما تمكنت مصر من القتال من جديد- إلى دولة تعمل على نشر الإلحاد فى المجتمع المصرى، وإلى خصم حاول فى أثناء المعركة حرمان مصر من ثمار النصر، كما زعم السادات، وهو ما كشف زيفه للمفارقة «العزيز» هنرى كيسنجر. أما شريك العدو فى العدوان وممول احتلاله لأرض الوطن -سواء من المنظور القطرى أو القومى- فى الماضى والحاضر وأيضًا فى المستقبل فقد تحول إلى الحليف الاستراتيجى الأوثق -وكأن التحالف معه عمد بدماء أطفال بحر البقر وعمال أبى زعبل وأسرى سيناء- بعد أن روج الخطاب الساداتى لأن الصراع معه ومع الكيان الصيهونى كان نتيجة «عنتريات» جمال عبد الناصر و«أطماعه الإمبراطورية» «لماذا احتلت الضفة الغربية إذن على الرغم من تحالف العرش الأردنى مع الحركة الصهيونية ورعاتها الغربيين حتى قبل تأسيس الكيان الصهيونى؟»، لا نتيجة لسياسات الولايات المتحدة الإمبريالية وانحيازها الفج للكيان الصهيونى. تم تشويه رفاق السلاح وشركاء المعركة، سوريا والجزائر وليبيا والعراق، بطريقة شبيهة بما تم مع الاتحاد السوفييتى، وفى المقابل أصبح حلفاء الكيان الصهيونى أمثال شاه إيران الأصدقاء الجدد، والأمر ذاته بالنسبة إلى العروش التى أسهمت أجهزتها الإعلامية فى توريط مصر فى يونيو 1967 فى معركة لم يكن يريدها جمال عبد الناصر.
أدَّت الحرب النفسية التى شنها السادات وحلفاؤه على المجتمع المصرى ليس فقط إلى فقدانه ثقته بنفسه وبقدرته على الفعل، بل الأخطر إلى فقدانه إدراكه بهويته الجمعية المحددة لدوره فى العالم وعلاقاته مع الآخرين. نفذ من تلك الثغرة طبقة الانفتاح والإسلاميون والقوى النفطية، وأعادوا صياغة الشخصية المصرية، بحيث أصبح يغلب عليها الطائفية والمذهبية والانتهازية وعدم المبالاة والميل إلى الاستهلاك الفاحش والسعى إلى الكسب السريع بغض النظر عن مصدر المال. وإذا كانت بعض مؤسسات الدولة قد شاركت فى تلك الحرب على المجتمع المصرى تنفيذًا لمشروع السادات السياسى، فإن الدولة كانت أيضًا من ضحايا تلك الحرب بعد أن أصبح الكثير من موظفيها نموذجًا للمصرى الجديد: مصرى الانفتاح- كامب ديفيد- إسلام النفط، مما أدى إلى توطن الفساد وعدم الكفاءة فى مؤسسات الدولة المختلفة، كما أصبحت الدولة مهددة دائمًا بانهيار ما تبقى من تماسك وطنى هش نتيجة لاستشراء الطائفية فى المجتمع. الأمر الأخطر أن الدولة المصرية بعد صلح السادات- بيجين وانحيازها إلى طبقة الانفتاح فقدت الغرض الأخلاقى الذى حكم وجودها منذ يوليو 1952 -أى العمل على تحقيق التحرر الوطنى والعدالة الاجتماعى ومقاومة كل أشكال الاستعمار فى العالم- دون أن ينجح التحالف الاجتماعى الحاكم منذ سبعينيات القرن الماضى فى إيجاد بديل له حتى يومنا هذا، فالحديث عن الرخاء أو التنمية وحتى عن الأمن ليس بديلًا عن وجود غرض أخلاقى للدولة.
فى هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنه حتى فى أعتى الدول الرأسمالية تدرك الطبقات الحاكمة أهمية وجود غرض أخلاقى للدولة، لضمان تماسكها والتفاف المجتمع حولها، خصوصًا فى وقت الأزمات، لذلك لا نجد ممثلى الطبقات الحاكمة فيها يتحدثون عن النمو الاقتصادى فى حد ذاته كمبرر لوجود الدولة، وإنما يحاولون أن يضفوا على الرأسمالية طابعًا أخلاقيًّا من خلال الادعاء بارتباط الديمقراطية وحقوق الإنسان بها.
إن مرور خمسين عامًا على أى حدث تاريخى مدة كافية لاستخلاص دروسه، ويمكن القول إن أبرز دروس العدوان الصهيونى فى يونيو 1967 هو أن المجتمعات التى لا تعانى تفاوتات طبقية صارخة أو انقسامات طائفية تستطيع أن تنهض من جديد بعد انهيار الجيوش، خصوصًا إذا ما توفرت لها قيادة وطنية ذات إرادة مستقلة. وفى المقابل فإن إنجازات الجيوش فى الميدان لا تعنى الكثير متى تفككت المجتمعات أو انفضت عنها، أو فقدت الدولة الغرض الأخلاقى من وجودها، أو متى قرر الحاكم أن يوظف قدرات الدولة فى خدمة مصالح واستراتيجيات الآخرين. كان إيمان السادات بأن %99 من أوراق الحل بيد الولايات المتحدة (وهو ما يعنى ضمنيًّا اعتقاده بعجز مصر عن تحرير أرضها اعتمادًا على قدراتها) سببًا رئيسيًّا فى تعامله مع مجتمع يوليو الذى أنتج جماهير 9 و10 يونيو كتهديد يجب إزالته لا كمصدر قوة للدولة، وفى سبيل تحقيق هذا الهدف عمل الخطاب الساداتى على تضخيم آثار عدوان 1967 لخلق الشعور بالعجز وللتغطية على النتائج الكارثية لسياسات السادات وطبقة الانفتاح بردها إلى عدوان 1967 لا إلى توجهاتهم السياسية وانحيازاتهم الاجتماعية. إن الخروج من صحراء التيه التى قادنا إليها النهج الساداتى تتطلب رد الاعتبار إلى مفهوم الاستقلال الوطنى وبناء مجتمع جديد على أسس العدالة الاجتماعية والمواطنة والديمقراطية الاقتصادية والسياسية، أما تكريس النهج الساداتى -خصوصًا فى ما يتعلق بالتبعية للولايات المتحدة والتحالف مع عروش النفط  ومقاربة الحيوية السياسية فى المجتمع كتهديد للدولة- فلن يؤدى فقط إلى ترسيخ عقيدة العجز، وإنما أيضًا إلى هزائم وتنازلات للعدو و«للشقيق» فى الحاضر وفى المستقبل، هزائم وتنازلات لن تستطيع الشعارات مهما ارتفع صخبها، والقمع مهما بلغت شراسته، والأكاذيب مهما نسجت خيوطها، الأبواق الإعلامية أن تخفيها أو تخفى المسؤولين الحقيقيين عنها.   

   
«قرطاجة كانت ضمير الشمس: قد تعلمت معنى الركوع، والعنكبوت فوق أعناق الرجال والكلمات تختنق…».
أمل دنقل- كلمات سبارتكوس الأخيرة

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات