الدعاة السوفت.. الكاجوال.. الديجيتال.. اللايت.. الكيوت.. الذين أجادوا مخاطبة المشاهدين والـ«Followers»

Foto

لقد سقط القناع عن بعض هؤلاء الدعاة الجدد ورآهم الناس على حقيقتهم التى كانوا يخفونها


هو نوع من التديُّن شاع فى السنوات الأخيرة على يد مجموعة ممن يسمون الدعاة الجدد، وهو تدين خفيف «لايت» يناسب أذواق الطبقات المترفة التى لا تتحمل ثقل الدين وتكاليفه وأوامره ونواهيه، فتم تصنيع وتغليف وتسويق نوع جديد من التدين يناسب العصر الرقمى، يمكن أن تسميه «تدين كاجوال» وفيه مقاسات مختلفة (Small ،Medium ،Large ،and Xlarge)، حتى تستريح فيه وتستريح به، ويرفع عنك كثيرًا من الحرج والعنت، فهو يتبعك حيث تريد، ويحقق لك كل ما تتمنى، ولهذا شاع وانتشر هذا الدين الجديد بين المترفين والمدللين والمتحررين من كل القيود والراغبين فى المتع الدنيوية حلالها وحرامها.

هو «تدين ديلفرى» حسب الطلب وحسب هوى وذوق المشاهد والمستمع والمتابع، ولقد ظن به البعض خيرًا حين رأى بعض مظاهر التدين على طبقات كانت بعيدة عنه، ولكن سرعان ما تبين أن مَن تزيَّنوا به وارتَدوه خلعوه وارتدُّوا عنه بعد فترة طالت أم قصرت، فكأنه كان «تيشرت» أعجبهم فى لحظة ثم ارتَدوا غيره مع تقلباتهم المزاجية وتغيرات الطقس الدينى، وربما يعودون إليه إذا ظهر منه «ستايل» آخر جديد.
وهذا النوع من التدين حمله إلى الناس مجموعة من الدعاة «السوفت»، «الكاجوال»، «الديجيتال»، «اللايت»، «المترفين»، «المدللين»، «الكيوت»، الذين أجادوا تحسُّس أذواق المشاهدين والمستمعين والـ«Followers»، فأعطوهم ما يريدون وكانوا حريصين على دغدغة مشاعرهم وتملق رغباتهم ونيل رضاهم والاستمتاع بتصفيقهم و«لايكاتهم» و«شيراتهم» و«كومنتاتهم»، وقد نالوا من وراء ذلك المجد والشهرة والكثير من المال، واكتسبوا القدرة على التمثيل الدينى لإثارة مشاعر المراهقين والمراهقات، واكتسبوا مهارات الأداء الدرامى لإبهار المشاهدين، ونافسوا أهل الفن فى الشهرة والمال، وتسابقت عليهم القنوات، ولهثوا هم وراء العقود وانحنوا طويلًا لتحية الجمهور الذى يصفق لهم.
بعضهم كانت له كاريزما شخصية وتأثير واسع لدى الشباب على وجه الخصوص، وبعضهم كان لديه مشروعات تنموية وإصلاحية، ولكنهم للأسف عرَّضوا أنفسهم لكل أنواع الإغواءات والإغراءات والفتن ومداخل الشيطان الذى حذروا أتباعهم منها، وفقدوا شيئًا ما -ربما يكون الإخلاص- جعل الناس يعطونهم ظهورهم ويسخرون منهم بعد أن كانوا يعطونهم كل الحب والتقدير.
لا ننكر أننا كنّا فى وقت من الأوقات نحسن الظن بهؤلاء الدعاة الجدد وندافع عنهم حين كانوا يتعرضون لحملات تشويه من مناوئيهم، وكنا نعتقد أنهم يخاطبون فئات من المجتمع لا ينجح الخطاب الدينى التقليدى فى الوصول إليهم، ولكن الأيام والتجارب أثبتت خطر هذا النوع من التدين الرخو، وخطر حامليه والمبشرين به حين تم استدراجهم لحظيرة المال والشهرة والنجومية والإعلانات، وحين تم توظيفهم لأداء أدوار لا علاقة لها بالدعوة، وحين تكشفت سماتهم النرجسية وتضخم ذواتهم وشراهتهم للمتابعين لهم على صفحات الإنترنت بحيث أصبحوا لا يتسابقون إلى الخيرات بل يتسابقون إلى عدد الزائرين لصفحاتهم الإلكترونية والمتابعين لهم ويحزنون ويتألمون إذا سبقهم أحد أقرانهم، ويعقدون الاجتماعات فى مقراتهم، لبحث كيفية تحقيق أرقام قياسية جديدة من المعجبين والمتابعين، وهم يستغلون عدد الزائرين لصفحاتهم لاستجلاب الإعلانات من شركات المشروبات الغازية الشهيرة والمنتجات المختلفة ويحققون الملايين من وراء الملايين الذين يتابعونهم. وهذا النوع من الدعاة تجده فقط فى المساحات الهادئة والآمنة والمريحة والمليئة بالمكاسب، بينما تفتقده فى المواقف التى تحتاج إلى شجاعة وجرأة وتضحية، فهم يسخرون الدين لخدمة ذواتهم المنتفخة ولا يضحون بأى شىء من أجل الدين، ولهذا تراهم فى صحة جيدة وشياكة هائلة، وفى رفاهية ناعمة، ويرتدون أغلى الثياب من أشهر الماركات العالمية.
ونظرًا لشيوع هذا النوع من التدين، والمكاسب الكثيرة التى جناها دعاته، فقد أغرى ذلك إحدى الراقصات لتقدم برنامجًا دينيًّا فى رمضان، ولِمَ لا؟ فهى تريد أن تأخذ نصيبًا من الكعكة الدعوية، وهى -فى نظر مَن سيقدمونها- تمثل «ستايل» جديدًا للدعوة بعد أن احترق بعض رموز التدين الرخو.
ولم يكتفِ أصحاب التدين الرخو بما حققوه من مكاسب، بل سعوا لصرف الناس عن علماء الدين الحقيقيين الذين يقدمون الدين الحقيقى دون تزييف ودون تملق للسلطة أو الجماهير، ووصموهم بأنهم تقليديون ومتخلفون ومتحجرون ورجعيون، وحاولوا صرف الناس عنهم وربما السخرية منهم بشكل مباشر أو غير مباشر، وأسهم الإعلام فى ذلك بدرجة كبيرة حين قلَّص المساحة للعلماء الحقيقيين الراسخين فى العلم وهاجم مؤسسة الأزهر وشيوخها ورموزها، وأفرد المساحة لدعاة الدين الرخو، وأضفى عليهم هالات واسعة ومكنّهم من وعى الجمهور، واستعملهم لتحقيق أغراض دعائية أو تسويقية أو سياسية.
ولقد سقط القناع عن بعض هؤلاء الدعاة الجدد ورآهم الناس على حقيقتهم التى كانوا يخفونها، فعلى الرغم من ذكائهم الشديد وقدراتهم التسويقية الإلكترونية العالية، ومهاراتهم فى رسم الصورة «Immage» الباهرة لأنفسهم، فإن ما تسرب إلى الناس من دوائرهم الضيقة التى كشفت نرجسيتهم وعنجهيتهم وغرورهم وانتهازيتهم وشراهتهم للمال والشهرة والنفوذ تحت قشرة هشة وخادعة من الوداعة والتواضع والنعومة والرومانسية الدعوية. وحين سقط القناع ارتد الكثير من أتباعهم، وفقدوا الثقة فى الدين والتدين والمتدينين، فكان هؤلاء الدعاة فتنة للناس بعد أن فُتنوا هم أنفسهم بأضواء الاستوديوهات وعدسات الكاميرات وأموال التعاقدات والإعلانات والهبات.
نحن بالتأكيد ندعو لهم بالهداية ومراجعة الذات وتصحيح الأخطاء وإعادة النظر فى ما بينهم وبين الله، فالقبول فى السماء يتبعه القبول فى الأرض، والعكس صحيح.
إن الله لم يبعث برسله وينزل الدين ليتملق به مشاعر الناس ويسترضى أذواقهم، وإنما كان الدين ليرسم للناس طريق صلاحهم ويهذب من أخلاقهم ويصلح ما اعوج من سلوكهم، ويصلح الفرد والجماعة، ويهيئ لعمارة الأرض من خلال منظومة عقائدية وطقوس عبادية محددة وتعاليم أخلاقية سامية. والدين ليس نوعًا من الملطفات أو الكريمات أو المراهم أو الماكياج، وليس نوعًا من المسكنات الموضعية أو المخدرات السحرية، وإنما هو مجاهدة وتضحية بكل ما يملك الإنسان سعيًا لوجه الله، ولهذا يقول الله تعالى مخاطبًا رسوله: «إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ الَيْهِ تَبْتِيلا»، ويقول تعالى: «يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ». والرسل «ومن بعدهم الدعاة إلى الدين» ليسوا مطالبين بتملق الناس بدين رخو أو دين كاجوال أو دين لايت أو دين معدل ليقبلوه، فالناس مخيرون فى قبول الدين الحقيقى أو رفضه، حيث يقول تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»، «مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ»، ويقول لرسوله: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ»، ويقول له: «فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا». فوظيفة الدين هى تغيير البشر طبقًا لمعاييره ومفاهيمه العلوية الربانية وليس من المنطق السليم أن يتغير الدين ليناسب أهواء البشر وتوجهاتهم وأذواقهم ويصبح نوعًا من التسلية والترفيه التليفزيونى أو الإلكترونى، ودغدغة المشاعر واستجلاب الشهرة والمال لدعاة من النوع «الكيوت».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات