.

لماذا صار بينها وبين الدين سور؟

Foto

بوماد تتحدث فى روايتها عن الحرب وويلاتها من قتل واغتصاب وتهجير، بلغة مؤثرة، مصورةً وبحزن شديد ما يرتكبه الإنسان فى حق أخيه الإنسان


تبدأ سونيا بوماد روايتها «التفاحة الأخيرة» الصادرة حديثًا عن مكتبة الدار العربية للكتاب، بمشهد روائى مؤثر للغاية إذ تروى على لسان الراوى ما نصه: «يا لأبى المسكين! ليتهم قتلوه قبل والدتى وشقيقتى، فقد قتلوه بهما آلاف المرات، وجسد حبيبته يستباح وهو مقيد لا حول له ولا قوة.. هذا شعرها الذى سرحه، عيناها حيث سكن، هذان خدَّاها اللذان قبّلهما قبل الشفاه، هذان ثدياها الصغيران اللذان أحبهما وتلذذ بهما كما الرضيع، هذا حضنها الذى افترشه سريرًا، هذا مأوى ذكوريته الذى أفرغ روحه ومشاعره فيه، تقتحمه شهوات الكلاب المسعورة».. كذلك وقبل أن تضع نقطة روايتها الأخيرة تختتمها بمشهد مؤثر يصف ما خلّفته الحرب بالبلاد والعباد «أمسكتُ يد أوليفر الصغيرة ويد ألبرت التى حضنت جرحى ومشينا هناك فى أحياء موستار.. اجتزنا جسر ستارى موست، حاولنا أن نغض النظر عن عيون الناس فى بلادى، العيون التى لا تزال تحمل صور الحرب.. تنشقنا نسيم الصباح المنعش، الذى كان يحمل إلى الآن شيئًا من وجع تلك الأرواح التى تطوف هناك، ودَّعْنا بلادى.. ودّعت البوسنة الحبيبة بآخر غروب لنا هناك، وعدنا لنكمل حياتنا حيث بدأناها.. على أمل أن تغسل أمطار الشتاء القادم وثلوجه البيضاء سواد القلوب والحرب ومآسيها».


بوماد تتحدث فى روايتها عن الحرب وويلاتها من قتل واغتصاب وتهجير، بلغة مؤثرة، مصورةً وبحزن شديد ما يرتكبه الإنسان فى حق أخيه الإنسان، إنها رواية يمكن لنا أن نصفها بالرواية المأساة التى لم تكتفِ الروائية فيها بوصف الشخصيات من الخارج، بل دلفت إلى أعماقها معبّرة عما يجول فى خواطرها من أحزان وآلام تكبدتها دون ذنب وسببها لها القتلة ومجرمو الحرب.. إنها رواية مأساوية بكل ما تعنيه الكلمة، تؤلم قارئها، إذ ترصد وقائع الحرب فى منطقة البوسنة فى تسعينيات القرن الماضى، غير أنها رغم مأساويتها رواية ممتعة ومدهشة على مستوى الصياغة اللغوية والحبكة الروائية، وعلى مستوى السرد الروائى المتقن الذى تُظهر بوماد من خلاله أبعاد موهبتها الروائية.. بوماد توظّف فى روايتها قدرتها على السرد مُصورةً مشاهد إنسانية مؤلمة عبر لغة بسيطة وأنيقة تستغنى عن الزوائد التى تؤثر سلبًا لا إيجابًا على المجرى الروائى.. لقد نجحت بوماد كذلك فى أن تجعل قارئ روايتها يتعاطف إلى حد كبير مع شخصياتها التى قست عليهم الحياة، مُسلطة عليهم نوعًا من البشر لا يمكن بأى حال إلا أن يُحتجزوا فى غابات للحيوانات المفترسة.. لقد رصدت بوماد هنا أفعال القتلة وصنيعهم مُعرّية إياهم أمام الجميع، لاعنة إياهم وما فعلوا من قتل واغتصاب، حتى إن معظم صفحات الرواية تحتوى على كلمات من حقل القتل مثل: قتلة، انتقام، ألم خانق، ذبح، ضحية، مجرم، غرفة إعدام، وغيرها.. فى الرواية يحدث تناوب سردى ما بين رجل وأنثى، بين مجرم وضحية: «كانت تلك الصورة لنصفى الآخر فى داخلى قاتمة ومشوشة، رغم مرور هذه السنين الخمس عشرة، فما زالت صورة الموت والقتل تؤرقنى، إلى درجة أنى كنت أشم رائحة الدماء فى أنفى وألمسه فى حواسى.. «ليس سهلًا أن تقتل وتحصد الأرواح على مدار أربع سنوات وتعود بعدها لتحيا كأن شيئًا لم يكن».. كذلك تعيش الأنثى طوال الرواية حياة تملؤها القسوة والجراح والتعذيب البدنى والنفسى.. «مسحت دموعى وأنا أحدق فى السماء، محاولة أن أستشعر ما أفتقده.. لقد بات بينى وبين الله والدين سور لا يمكننى تجاهله ولا اجتيازه».. هذه رواية خاصة تحتاج إلى استعداد نفسى خاص للتفاعل معها وتلقيها، حتى لا تترك مشاهدها وتفاصيلها المؤلمة فى النفس جُرحًا غائرًا لا يندمل.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات