واجب.. الأب والابن والروح الحائرة!

Foto

كيف قدم الفيلم واقع الداخل الفلسطينى من خلال جولة بالسيارة؟ لماذا اتهم البعض الفيلم بالدعوة للتطبيع؟


340 دعوة زفاف يجب توزيعها يدا بيد على الطريقة النصراوية، هكذا لخص «شادى» الشخصية الرئيسية الثانية فى فيلم «واجب»، المهمة التى وجدها فى انتظاره بعد عودته للناصرة بالداخل الفلسطينى قادما من مهجره فى روما ليساعد والده فى تنظيم حفل زفاف شقيقته الصغرى. «شادى» كان يكلم حبيبته «ندى» المقيمة معه فى روما دون زواج، بينما يسميها «أبو شادى» الشخصية الرئيسية الأولى فى الفيلم «سلمى» تأكيدا منه لرفض وجودها فى حياة الابن المهندس المعمارى الذى اضطر لمغادرة الوطن حتى يبتعد عن عيون جهاز الأمن الداخلى الإسرائيلى «الشاباك». «شادى» الذى عاد بروح حائرة بين حبه للوطن وعدم قدرته على الإقامة به، دخل فى مناظرة ممتدة ليوم كامل مع والده المتمسك بالتقاليد فى كل شىء، بينما «شادى» يرفض الكثير منها بعدما غيرت أفكاره الإقامة فى أوروبا، يرفض مثلا أن يغنى «فوزى بلوط» فى زفاف شقيقته لأن صوته قبيح بينما الأب يراه المطرب الرسمى للعائلة منذ 40 عاما، يرفض شادى أيضا وضع زينة تقليدية خارج قاعة الاحتفال، والده يوافقه لكن كليهما يرضخ لرغبة الأخت التى لم تخرج من الناصرة بالتالى لم تعرف أنها تطلب موضة قديمة يمكن الاستغناء عنها لا التفاؤل بها. شادى يرفض وصف والده لابن أحد الأقارب بأنه مثلى الجنس ويرى ذلك حرية شخصية، كذلك يعترض على استنكار والده لإقامة الابن مع صديقته دون زواج، ويفسد محاولات الأب إقناعه بالعودة والزواج من فتاة تقيم فى الناصرة، تحدث كل هذه النقاشات فى السيارة وأحيانا فى المنازل التى يذهب لها الرجل وابنه من أجل دعوة الأقارب والأصدقاء، مواقف معظمها طريف ومعبر عن اختلاف الأجيال دون صدام عنيف اللهم إلا فى موقف وحيد، حيث يفاجأ الابن بأن والده يريد أن يدعو أحد عملاء «الشاباك»، يكتشف ذلك عندما طلب منه الاقتراب بالسيارة من مستوطنة إسرائيلية، نرى أمامنا تناقضا على مستوى آخر بعيد عن الفجوة بين العادات العربية والأوروبية، تناقض على مستوى التعامل مع المحتل الإسرائيلى، الابن يرفض أن يراهم أمام عينه فى أحد المطاعم، يعتبرهم السبب فى إبعاد والده له بحجة الدراسة فى الخارج، بينما الأب يحاول التكيف ويوجه دعوة الزفاف للمسؤول فى «الشاباك» عن مراقبة المدارس الفلسطينية، يعكس الموقف عدم قدرة الجيل الأكبر على المقاومة أكثر من ذلك. الواقع بالداخل الفلسطينى مختلف كما قال بطل الفيلم محمد بكرى فى نقاش حول الفيلم، نقاش رفض خلاله اتهامه بالترويج للتطبيع والتعامل باعتيادية مع الوجود الإسرائيلى، فى الوقت نفسه فإن الابن الذى يكره هذا الاحتلال اعتبر الهروب حلا هو الأمثل، حتى إنه يستعجل يوم الزفاف كى يعود إلى روما وإن كان الشوق للوطن يحاصره فى كل مشهد.

«واجب» للمخرجة الفلسطينية آن مارى جاسر، مستوحى من قصة حقيقية مرت بها حيث كانت فى سيارة مماثلة توزع الدعوات لخمسة أيام فى شوارع الناصرة، لكن تفاصيل الفيلم جاءت مختلفة، نحن أمام فيلم وصفه النقاد بالمتعدد الأبعاد، لا يمكن التعامل معه باعتباره سياسيا فقط أو اجتماعيا وحسب، وساعدت علاقة البنوة الحقيقية بين محمد بكرى ونجله صالح فى استمتاع المتفرج بمشاهدهما سويا، ولم يتسرب الملل طوال 97 دقيقة هى مدة الفيلم رغم أن معظم الحوارات تدور فى السيارات والبطلين الرئيسيين هما محمد وصالح بكرى إلى جانب ظهور لافت لماريا زريق فى شخصية العروس لكن محدود المساحة، الفيلم الذى شاهده الجمهور المصرى مؤخرا عبر وقائع أيام القاهرة السينمائية يستحق الجوائز التى حصل عليها وخصوصا أفضل فيلم وأفضل ممثل مناصفة فى مهرجان دبى الأخير، كما مثل السينما الفلسطينية فى سباق أوسكار أفضل فيلم أجنبى.
«واجب» يمنح المتفرج العربى صورة واقعية لما يجرى فى الداخل الفلسطينى من خلال خلافات الأب والابن والروح الحائرة، بحثا عن حل لأزمة لا تزال تبدو من دون حلول، رغم تعاقب الأجيال عليها لسبعين عاما، وتحديدا منذ مايو 1948.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات