.

حكاية مدينة أوروبية مزقتها الأحلام الشيوعية

Foto

تبدأ حكاية المدينة التى ترويها فتاة من الطبقة المطحونة مع انهيار الشيوعية فى العالم وتفكك دولها.. فهو عام 1989 الذى أثمرت فيه سياسات جورباتشوف الإصلاحية عن سقوط الاتحاد السوفييتى وتحويله إلى مجرد دويلات بلا قوة


هى حكاية مدينة أخرى محسوبة على أوجاع أوروبا دون أن يهتم بها أحد لمجرد أنها كانت تتبع يوما ما العلم الأحمر، ناءت كأية مدينة أخرى بالأوجاع، وتحولت مع مرور الزمن إلى منطقة منسية؛ هكذا رسمت الروائية التشيكية بيترا هولوفا روايتها «حماة الصالح العام»، والصادرة عام 2010، وقام بترجمتها الدكتور خالد البلتاجى، لتنشرها دار العربى بعنوان «حدث فى كراكوف».


تبدأ حكاية المدينة التى ترويها فتاة من الطبقة المطحونة مع انهيار الشيوعية فى العالم وتفكك دولها، فهو عام 1989 الذى أثمرت فيه سياسات جورباتشوف الإصلاحية عن سقوط الاتحاد السوفييتى وتحويله إلى مجرد دويلات بلا قوة، فتنتقل مع عائلتها التى كانت تنتمى إلى الشيوعية من مدينة «لوتشا» التى لا تذكر منها سوى أنهم كانوا يعيشون فى معسكر بنى منذ أربعين عاما إلى «كراكوف»، إحدى مدن تشيكوسلوفاكيا الجديدة -قبل أن تنقسم تشيكوسلوفاكيا نفسها إلى جمهوريتى التشيك وسلوفاكيا- التى انتظروا فيها الرخاء والحياة الجديدة، لكنها شهدت التحول الجارف وغير الممنهج إلى الرأسمالية التى لا يعرفون عنها سوى أنها كانت ضررا ثم أصبحت النهج الجديد فى البلاد، فتحول العديد من سكان كراكوف سريعا إلى رموز للعصر الجديد، ومن أبرزهم رجال الحزب الشيوعى أنفسهم، والذين غيّروا جلودهم سريعا وهبطوا على مقدمة الأيام المقبلة، وانتقلت الأحداث لتروى كل ما حدث فى تلك البلدة التى مثّلت واقعا حقيقيا لكل مدن التشيك حتى الألفية الجديدة، عندما تجاهل العالم، وتجاهلت التشيك نفسها، كل ما حدث فى كراكوف.


«استمع أبى جيدا إلى ما يعدون به الفلاحين. كان ينتظر أن تقدم نجمة العمال الخماسية الحمراء ما هو أكثر من حكايات مسلية».


روت الفتاة عن أيام التحول من ذبابة فى خيط الشيوعية، حيث كان دخول المدينة والخروج منها بتصاريح أمنية، وكانت الكتب التى لا تتوافق مع سياسات الحزب يتم تداولها عن طريق التهريب، والاعتقالات السائدة لمن كان يتم وصفهم بالـ«متذمرين» أو العناصر الهدّامة؛ والمدينة على الطريقة الجديدة التى بدأ المنتفعون فيها بتأسيس أعمالهم وشركاتهم التى بدأت تحكم المدينة، حتى إن واحدا من شوارع كراكوف تحول اسمه إلى شارع أمريكا، فقط لأن الجيش الأمريكى مر من هذا المكان منذ أعوام، ربما فى أثناء الحرب العالمية الثانية؛ وتحدثت كذلك عن الفساد الذى كان ينخر الدولة دون أن يجرؤ مواطن على الحديث عنه، ولكن أهل كراكوف استطاعوا الحديث بعد أن اهتزت القبضة الحديدية، فتجدها تروى عن المقاول الذى غّش مواد بناء المساكن الجديدة وانتشر اسمه كالهشيم وأخذ الناس يرددونه «فوسا فوسا.. البرد عندنا من الكوسة»؛ كذلك عن الرأسمالى الذى كان أحد قادة الحزب القدامى الذى كان يبتز الجميع ويمارس الجنس مع العاملات لديه؛ أيضا سخروا من أحلام السياسة التى روادت من انتظروا التغيير من الرفاق القادمين من «منيسك»، والتى تعنى فى لغة روسيا البيضاء «الغائط».


«اختفت اللوحة الكبيرة التى كانت موجودة فى السابق وعليها كلمة كراكوف، المجد للعمل».


لم تنس الفتاة أن تروى حياتها الشخصية والتغيير الجذرى الذى حدث لها، فأبوها تحول إلى رجل فاقد السيطرة على أسرته ولا يسعه سوى الحديث عن أخطاء الجميع، وأمها التى كانت تهتم بها وشقيقتها، فتحيك لهم فساتين رأتها فى مجلة البوردا، بعيدا عن الثياب البائسة التى يرتديها أغلبية أطفال المدينة الخاضعين للحزب، صارت عاملة بالمخزن الكبير وأصبحت ماكينة للجنس رغم أن علاقتها شبه ثابتة بأحد قادة العصر الجديد فى كراكوف، وزوجها يعرف الحقيقة ويكتفى بالغضب، والأخت الصغيرة التى تحولت من البراءة إلى واحدة من أبناء العهد الجديد، فتقيم العلاقات وتخرج فى السهرات الكبيرة التى يعيث فيها الشباب فسادا فى المناطق الريفية دون وازع، بعد أن كانوا تنظيمات طلائع الأطفال التابعة للحزب، ولكنهم الآن هم المتمردون الجدد على كل ما يمكن أن يكون أثرا لعصر الشيوعية البائد، وحتى أصبحت وصديقها رمزا يظهر على شاشات التلفاز.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات