«شقة عم نجيب».. أن يجتمع أبطال روايات محفوظ فى شقة

Foto

كيف استطاع المؤلف أن يقدم شخصيات روايات نجيب محفوظ مجتمعة فى عرض مسرحى بكل هذه السلاسة؟


يحمل عالم نجيب محفوظ الروائى قدرًا كبيرًا من الثراء الذى يسمح بإعادة تقديمه فى السينما والتليفزيون بشكل متجدد دائمًا، وفى الخمسينيات قدم العديد من تلك الروايات على المسرح، بل كتب نجيب محفوظ نفسه ثمانية نصوص مسرحية لم تلقَ ذلك النجاح الذى حققته أعماله الأدبية، لكن عالم نجيب محفوظ بكل أبطاله المحفورة أسماؤهم فى الذاكرة يقدم حاليًّا بشكل مختلف تمامًا من خلال «شقة عم نجيب»، وهو اسم العرض المسرحى الذى يُعرض حاليًّا على مسرح الغد التابع للبيت الفنى للمسرح، من إخراج جلال عثمان، وتأليف سامح مهران، حيث يستعيد العرض عالم نجيب محفوظ الذى طرحه فى رواياته من خلال شخصيتَى «سعدية» و«عباس» اللذين لا يستطيعان إتمام زواجهما بسبب الفقر حتى يجدا إعلانًا فى «قرطاس ترمس» على كورنيش النيل عن شقة للإيجار فى العجوزة بسعر زهيد، فيأخذهما الطموح والأمل فى السكن فى هذه الشقة، لكنهما يكتشفان أن السكن فى تلك الشقة ثمنه أغلى بكثير من أية قيمة مادية لا يستطيعان دفعها، فشرط صاحب الشقة ليسمح لهما بسكنها هو أن يطهراها من الأشباح التى تسكنها، حيث تعيش فى الشقة أشباح شخصيات نجيب محفوظ التى تظهر لهما تباعًا وتحاول التأثير عليهما، والقادمة من قلب روايات مهمة، مثل «بين القصرين»، و«القاهرة 30»، و«ميرامار»، و«السمان والخريف»، و«قسمتى ونصيبى»، قسوة هذا الشرط لا تكمن فى صعوبة التعايش فى منزل يسكنه الأشباح، لكن فى أن التعايش هنا معناه أن يستسلم الحبيبان ليكونا جزءًا من كل هذا الشر الذى تحمله أشباح روايات نجيب محفوظ، والتى استطاع المؤلف أن يعيد إحياءها بطريقة تتواكب مع العصر الحالى، وينقلها مجتمعة إلى سياق درامى بعيون مختلفة، وبأسلوب عرض جعل من الجمهور فى الصالة جزءًا من الحدث، حيث استخدمت مهندسة الديكور نهاد السيد جدران القاعة الأربعة لتكون مكانًا للأحداث، وبدأ الجمهور الجالس على مقاعد متحركة يحيى المكان بالتنقل بين الجدارت المختلفة بكل سلاسة ونظام.

المسرحية من بطولة هبة توفيق، تلك الشابة التى ألِف جمهور التليفزيون وجهها من خلال العديد من الأعمال التليفزيونية المهمة، مثل «امراة من زمن الحب» و«الوتد» و«قاسم أمين» و«إمام الدعاة»، لكنها انقطعت لسنوات لتعود إلى المسرح، وتتحمل عبء العرض بأكمله، فيمتد دورها طوال فترة العرض الذى استطاعت من خلاله تجسيد شخصية الفتاة البسيطة التى يمنعها كبرياؤها من الاستسلام لإرادة الأشباح كما فعل خطيبها عباس، الذى قام بدوره خضر زنون، حيث يمثل الثنائى الشخصيتَين الواقعيَّتَين فى المسرحية، أما بقية أبطال العرض، وهم شريف عواد وأحمد نبيل ومروة يحيى وسلمى رضوان وريهام السيد، فيمكن الإشادة بشجاعتهم من خلال تقديم شخصيات مأخوذة من روايات نجيب محفوظ، ومعظمها تم تقديمها على الشاشتَين الصغيرة والكبيرة بأسماء لألمع النجوم، لا سيما شخصية السيد أحمد عبد الجواد وزوجته أمينة فى «بين القصرين»، وشخصيتَى محجوب عبد الدايم وعلِى طه فى «القاهرة 30»، وريرى زوجة عيسى الدباغ فى «السمان والخريف».. الجميل هو أن أداء أبطال المسرحية لتلك الشخصيات جعل من مجرد التفكير فى المقارنة أمرًا لا محل له، وهو ما قصده المخرج عندما جعل شعر الممثل الذى أدَّى شخصية السيد أحمد عبد الجواد يتدلَّى من أسفل الطربوش، ليدلل على أن فكر السيد عبد الجواد الذكورى الذى يحمل قدرًا كبيرًا من الازدواجية تجاه المرأة موجود حتى بين شباب اليوم.
«ذو الرأسين» شخصية خيالية ابتدعها المؤلف من وحى قصة «قسمتى ونصيبى»، التى تمثل الصراع بين الخير والشر، ليحوله إلى صراع نفسى، وقد لعب هذا الدور بلياقة عالية الممثل محمد عبد الرحيم، حيث يدخل المسرح طائرًا، ويتسلق الحبال معظم الوقت، بل يغير نبرة صوته ليجعل من القناع الذى يتدلى من جانب رأسه شخصًا آخر يحمل أفكارًا مختلفة ومتطرفة، لكن أعظم ما فى هذا الدور المختلف هو أن الأفكار التى يحملها الرأسان كلاهما خطأ، فأحدهما يمثل أقصى اليسار بتحرره وارتكابه الموبقات، والآخر يمثل أقصى اليمين بتزمته وتحريمه كل متع الحياة.
الموسيقى التى وضعتها الناقدة الموسيقية وأستاذة النقد بأكاديمية الفنون، ياسمين فراج، لعبت دورًا كبيرًا فى إبراز جماليات العرض، خصوصًا باختيار الآلات الأنسب لكل شخصية، فظهور شخصية الباشا الإقطاعى من رواية ميرامار يناسبها البيانو، أما الأكورديون فيتناسب مع شخصيات نجيب محفوظ القديمة التى كانت تسكن الحارات.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات