.

الرحلة.. حكايات من رحم المأساة العراقية

Foto


عرف العراق السينما منذ عشرينيات القرن الماضى، على الرغم من إنشاء أول دار عرض فى بغداد فى عام 1909، والتى عرضت الأفلام العالمية الصامتة، ومن بعدها عرفت عروض الأفلام المصرية الخالصة والأخرى ذات الإنتاج المصرى العراقى المشترك؛ مثل فيلم «ابن الشرق» للمخرج إبراهيم حلمى، والذى يعد أول فيلم عراقى. كما قدمت دور العرض العراقية فيلم «القاهرة- بغداد» إخراج أحمد بدرخان، فى 1946، إلا أنه قد توقفت تلك الإنشاءات المهمة منذ أكثر من عقدين من الزمن، فى وقت الحرب الذى من المستحيل أن تزدهر فيه صناعة السينما ودور عرضها. وبعد ربع قرن من توقف دور العرض السينمائى فى العراق، عادت بفيلم يستحق أن يتسم بصفة فيلم العودة.
نافس فيلم «الرحلة» للمخرج محمد الدراجى مسابقات عديدة فى مهرجانات دولية، إذ حصد الجوائز، وآخرها جائزة لجنة التحكيم الخاصة فى مهرجان شرم الشيخ السينمائى فى دورته الثانية لعام 2018، حيث أبرز الفيلم جوانب إنسانية مهمة ورسائل ضد الإرهاب الفكرى قبل أن يوجه رسائل مكافحة للعنف والسلاح.
يدور الفيلم حول سارة/ زهراء الغندور، الشابة الغامضة التى تحاول التخفى لسبب غير معروف فتتورط مع سلام/ أمير جبارة، الذى يدّعى أنه رجل أعمال، فيتضح أنه نصاب ومخادع. تقوم سارة بتهديده ليتبعها أينما تذهب بعد أن ألصقت قنبلة يدوية فى جيب سترته، على أن تمسك بجهاز التحكم بين أصابعها طوال الوقت. سارة تستعد لارتكاب أبشع الأفعال الإنسانية عن طريق تفجير نفسها وسط محطة السكة الحديد، وسط الأبرياء، الذين لن تنتبه إلى أحوالهم المتردية سوى بعد عدة ساعات من استعدادها لتفجير الحزام الناسف الذى صنعته لها الشيخة صباح، واعدةً إياها بالجنة بعد الانتقام من الجنود الأمريكيين المحتلين أراضيهم العراقية. لم تكن رحلة سارة وسلام بالشىء الهين، ولكنها تتعرض لمقاطعات وانحناءات عدة.
يبرز الفيلم فئات وطبقات المجتمع العراقى، بالإضافة إلى أفكار أبنائه من الشعب المقهور، وذلك من خلال مسيرة الكاميرا متجولةً لتلتقط العروس التى ترفض ارتداء حذاء عرسها ذى الكعب العالى لعدم موافقتها على الزواج، وطفلة وشقيقتها تعملان بائعتين جائلتين فى محطة القطار، حيث تتعرضان للضرب والسرقة والإهانة من زملائهما، لنعرف بعد ذلك أن والدَى الطفلتين قد قُتلا على يد المحتل الأمريكى. للناحية الدينية مساحة لا بأس بها، متمثلة فى شخصية سيدة مطاردة من قبَل بعض الجنود بين قضبان القطار، فتلقى بحقيبة كانت تحملها بين ذراعَى سلام، ليجد أنها تحتوى على طفلة لم تُكمل عامها الأول، ويظهر من خلال التحقيقات أنها حملت سفاحًا من حبيبها أمريكى الجنسية، وعليها أن تهرب لأن عائلتها تنوى قتلها لما فعلته من الزنى الذى تحرّمه الديانات. كما يبرز الحياة الاجتماعية غير المستقرة التى تمنع حبيبَين من الزواج لمدة عشرين عامًا، إذ سيتخلل حوارهما على رصيف المحطة السباب فى الأمريكيين المتسببين فى تدمير بلادهم، وكوارث الإرهاب التى ظهرت من بعد ذلك.
فى سيناريو رشيق وحوار حقيقى وملموس على أرض الواقع، قدم الدراجى شخصيات متنوعة ومختلفة لعدد من فئات العراقيين الذين لا يزالون على أرضهم لم يغادروها، فرسم شخصياته بحنكة شديدة وحرَفية تنقل وقائع من دواخل النفوس البشرية التى عانت من الإرهاب والعنف وفقد القربى والأعزاء، وبيَّن اتفاقهم الضمنى على صنع السعادة ولو لقليل من الوقت، فتظهر ابتساماتهم مع صوت انفجار الألعاب النارية فى السماء، الذى يعوضهم أصوات التفجيرات الإرهابية.
للممثلة زهراء الغندور حضور طاغٍ وجذاب، لا يعتمد على جمال خارجى فقط، حيث تحمل وجهًا عربيًّا أصيلاً، ولكن يبرز جمالها فى قوة وصدق أدائها، ما يدفعنا جميعًا لتصديق حكايتها الممتلئة بالبؤس، من مقتل شقيقتها مرورًا بتطرفها وانضمامها إلى طائفة الانتحاريين، وصولاً إلى تغيير شخصيتها والتدرج الدرامى المتمثل فى مشاهد السخط الذى ملأها فى أثناء مناجاتها لله فى أحد المساجد. استخدم الدراجى مزيجًا من الظل والضوء واللقطات القريبة من وجه الفتاة، والموسيقى الصوفية شديدة العذوبة التى أضفت على المشهد مزيدًا من الجمال، ذلك التطور الذى حرصت «الغندور» على إبرازه من خلال طريقة التناول مع الشخصيات الأخرى التى تتفاعل مع الحدث كما لو كان المشاهدون يراقبون مجموعة من العراقيين فى عام 2006، وفى أثناء سيطرة الأمريكيين على كل جزء من العراق.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات