«اضحك لما تموت».. حكايات من رحم الثورة

Foto


حين يقرر أى شخص أن يكتب أو يناقش ما جرى فى 25 يناير 2011، عادة تلاحقه الاتهامات، فهو وأيًّا كان الطرح الذى ينتصر له لابد أن يجد نفسه على ميزان التقييم الذى لا يعرف سوى تصنيفه على أنه «مطبلاتى» أو كونه يروِّج لأكاذيب عن أيام يرفض البعض وصفها بالثورة، مؤكدين أنها لم تكن سوى مؤامرة استُخدمت لتوظيف وتنفيذ أجندات خارجية.

العرض المسرحى الذى يُقدم على خشبة المسرح القومى الآن باسم «اضحك لما تموت» واجه تلك الأزمة، واتهمه بعض جمهوره بأنه منحاز إلى ثورة يناير، بينما اتهمه آخرون من نفس الجمهور بأنه يلفظها.
مشكلة الانحياز إلى 25 يناير أو الوقوف ضدها، وكونها ثورة أم لا، لم تكن الوحيدة التى واجهت العرض، فقبل أيام من الافتتاح اصطدم بمطب أكبر، حين أعلنت إدارة المسرح القومى عن كونه عرضًا «+18»، فى سابقة هى الأولى من نوعها فى مسارح مصر، لتبدأ عاصفة من الانتقادات غير المبررة بحجة أن تصنيفًا كهذا يعنى أنه عرض ملىء بالألفاظ والإيحاءات الخارجة، مما اضطر فريق العمل للرد والتأكيد أن الهدف الرئيسى من التصنيف هو الرغبة فى أن يكون جمهور العرض من الفئة القادرة على فهم معطياته ورسائله التى تبقى صعبة على شريحة بعينها.
تدور أحداث المسرحية، التى كتبها لينين الرملى ويخرجها عصام السيد، فى قالب ساخر داخل شقة تطل على ميدان التحرير عام 2011، ومن اختيار المكان والزمان اللذين تدور فيهما الأحداث يمكن من البداية التكهن بما سيجرى فى العرض الذى يبدأ بحوار يجمع بين صديقَين قديمَين التقيا فى شقة يحيى أستاذ التاريخ، الذى يعيش بمفرده بعد وفاة زوجته وغياب ابنه، وطاهر الذى يعانى هو الآخر الوحدة بعد طرد زوجته له وهجرة ابنته الوحيدة إلى الخارج.
تبدأ الأحداث بالمعاناة التى يلخصها الصديقان من خلال عدد من الجمل المتشابكة التى نعرف منها أن كلًّا منهما مثقل بهموم وانهزامات وجراح الماضى، الأمر الذى يدفع يحيى إلى الامتناع عن تناول الأدوية ليعجل بموته، ويلقى بطاهر فى فخ السوداوية، ليجبره على أن يبقى طوال الوقت أسيرًا لفكرة الانتحار.
من رحم تلك المعاناة وبطريقة تمتزج فيها المأساة بالملهاة، يتأتى الحل من ميدان التحرير، الذى يخلق المساحة الأكثر رحابة للبحث عن تفاصيل جديدة للحياة والتأمل فى ما حدث، كرد فعلى طبيعى لسنوات طوال من التهميش والتغييب، ولا ينسى مؤلف المسرحية أن يجرنا إلى حالة الصراع الممتد بين جيلَين، أحدهما تصوره المسرحية على أنه بقى منطويًا فى الظل كمتفرج يتلقى الحدث ويتعاطى معه دون أى قدرة على الفعل، والآخر مفعم بحيوية الشباب الباحث عن الحرية أيًّا كان ثمنها، ما ينتج عنه فى النهاية تصدع كبير فى الجدار الواصل بين الجيلَين وتفسُّخ أكبر للعلاقات بين الأبناء والآباء، بينما تبقى نهاية المسرحية مفتوحة مكتفية بتصدير التفاؤل بالجيل القادم، القادر على صنع الكثير مما عجزت الأجيال السابقة عن تحقيقه.
وفى تفاصيل التجربة، لا تجد جرعة الكوميديا المتوقعة من اسم العرض، لكن الوجبة التمثيلية الدسمة التى يمكنها أن تغنيك عن أغلب التفاصيل يقودها ببراعة المخضرم نبيل الحلفاوى «يحيى» والمتألق بخبرة السنين محمود الجندى «طاهر».
كما يحسب للعرض استخدام تقنية الفيديو «مابينج» التى نراها لأول مرة فى مسارحنا، لصنع أحداث موازية لتلك التى يراها المشاهد أمامه على المسرح، فأظهرت شخصيات ضمن العمل دون وجودها فعليًّا، بينما لعبت المؤثرات الصوتية دورًا مهمًّا فى نقل أصوات ميدان التحرير إلى داخل الشقة من حين إلى آخر.
وختامًا، يمكن القول إننا أمام تجربة تستدعى إحباطات وأزمات جيل الستينيات، ومَن وقفوا شهودًا على تحولات وانفتاح السبعينيات، وما تبعها من أزمات فى عهد مبارك، فى إشارة إلى أن إرث الماضى كان مزعجًا إلى الحد الذى جعل التغيير ضروريًّا، وكل ذلك فى قالب غنى على مستوى لغة الحوار فقير على مستوى الصورة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات