.

وهكذا قرر الجمهور إكرام الضيف

Foto

خالد الصاوى الذى قدَّم أداءً شديد التميز والإتقان وبدا من خلال تجسيده دور الدكتور التيجانى ممثلًا بارعًا بذل مجهودًا كبيرًا وموفقًا فى رسم تفاصيل الشخصية دون أن تفلت منه فى لقطة واحدة


من عجائب دور السينما فى مصر اقتراب أجواء الفُرجة على مقاعدها من المسرح وربما الكافيهات.. تضحكنا الأفلام وتبكينا، هذا صحيح.. تدفعنا إلى الصراخ وربما الانهيار النفسى.. حدث ويحدث فى كل قاعات السينما بالعالم.. لكن الأجواء المصرية تمتد حتى مخاطبة الجمهور للممثلين بعبارات التشجيع أو السخرية، إلى جانب تبادل التعليقات بين الحضور دون معرفة سابقة والتى يفوق التفاعل معها أحيانًا ما تثيره إفيهات الفيلم نفسه.. تلك الطقوس المتكررة أيًّا كان نوع الفيلم أو المستوى الاجتماعى لجمهور دار العرض.. لست متأكدًا هل نشبه شعوبًا أخرى تشاهد أفلامها بنفس الطريقة أم لا، لكنها لم تصادفنى شخصيًّا فى أى من البلاد التى قُمت بمشاهدة عروض سينمائية على أراضيها.. عن نفسى فائدة واحدة أخرج بها من تلك الطقوس هى لمس مدى تأثير الفيلم على الجمهور بشكل واضح وغير قابل للشك، وهو ما شاهدته فى أثناء عرض فيلم «الضيف» الذى لم يكف الجمهور فى الصالة عن إلقاء عبارات الإعجاب ببطل الفيلم قبل أن تعلو نوبتَى تصفيق حاد أولاها فى المشهد قبل الأخير، وثانيتها بعد تترات النهاية.

 

الضيف المفاجأة
يدور الفيلم حول أزمة الدكتور يحيى التيجانى (خالد الصاوى) المفكر والكاتب الشهير المتهم بازدراء الأديان عبر أفكاره وآرائه التنويرية التى استمر فى نشرها على مدى 30 سنة، قدم خلالها مشوارًا متخمًا بالكتابات الصحفية واللقاءات التليفزيونية والمحاضرات العلمية، لمواجهة التطرف والأفكار الدينية الدارجة، وهو ما يتجسد فى المواجهة بين المفكر الشهير والمهندس أسامة (أحمد مالك) الحاصل على الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية والقادم لخطبة ابنته الوحيدة فريدة (جميلة عوض)، حيث يستغرقان فى سجال فكرى ممتد حول مجموعة من الأفكار الخلافية، مثل العلم والحجاب وقبول الآخر، قبل أن نفاجأ بأن العريس الشاب ليس أكثر من إرهابى حضر خصيصًا لقتل الدكتور يحيى باعتباره كافرًا، نظرًا لعدم اعترافه بأن الإسلام دين ودولة على حد تعبيره.

 

كلمة السر
فى تصورى أن كلمة السر التى أسفرت عن تعاطف الجمهور المتجسد فى ردود أفعاله طوال الفيلم هى شخصية البطل الدكتور يحيى التيجانى.. فبغض النظر عما أُثير فى مواقع التواصل حول مدى تطابق شخصية التيجانى مع شخصية إبراهيم عيسى، مؤلف الفيلم، انطلاقًا مما يجمعهما من عناصر مشتركة مثل أن كليهما كاتب مشهور ولكل منهما رحلة طويلة وشاقة فى نشر الأفكار التنويرية بما تستلزمه من تسديد فواتير حياتية باهظة.. يظل المهم هنا والثابت أن الدكتور التيجانى ليس كائنًا مهجنًا على الشاشة بل مخلوق من لحم ودم عبر خطوط متوازية ومتوازنة لم تبالغ فى رسم مثالية زائفة أو تبسيط غير منطقى.. فالكاتب الشهير صاحب الاثنى عشر كتابًا هو نفسه مَن يقفز مثل الأطفال انفعالًا مع فريقه المفضل لكرة القدم، وهو المنصاع لرغبات ابنته الوحيدة التى يعاملها بدفء بالغ ومرح طفولى شديد اللطف، بل إنه متقبل رفض العامة أفكاره برحابة صدر وسخرية غير متعالية، وهو ما ظهر فى نقاشه مع الخادمة (عارفة عبد الرسول) وفردَى الحراسة اللذين يُفاجآن بأن الكاتب المتهم بازدراء الأديان الذى يقومان بحمايته من التهديدات الملاحقة له على إثر تلك التهمة هو فى الحقيقة مواظب على تأدية الصلاة كأى مسلم متدين. من ناحية أخرى، وعلى الرغم من آرائه التى استعرضها حوار الفيلم والتى ستصدم البعض بلا شك هو فى حياته الخاصة أب ورب أسرة مصرى يعشق أكل المحشى ومتابعة كرة القدم ويعامل المحيطين بتواضع شديد وخفة ظل بالغة دون أن يلجأ السيناريو إلى إقحام موقف مفتعل أو ينزلق فى فخ الاستظراف.

 

الحوار.. الاختبار الأكبر
على الرغم من تشعُّب القضايا التى ناقشها بطلا الفيلم، الكاتب الشهير والشاب أسامة، فإن انسيابية سلسة تميز بها انتقال الحوار من قضية إلى أخرى طعمت بخفة ظل عذبة، بالإضافة إلى ذكاء وبلاغة لمعت من خلالها الكثير من جمل الفيلم، مثل «الحرية بتخنق»، تلك الجملة البليغة التى بررت بها الابنه لجوءها إلى الارتباط بأسامة، لعدم قدرتها على تحمل تبعيات قراراتها، وكذلك اختيار آية «قُم فأنذر»، وغيرها.. اختبار كبير نجح فى تخطيه الفيلم أيضًا هو المحافظة على عنصرَى التشويق طوال الأحداث، وهو الاختبار الأصعب أمام تلك الأفلام الدائرة أحداثها فى مكان واحد والمعتمدة بشكل كبير على الحوار، فالضيف المنتظر كعريس لابنة الكاتب التنويرى هو شاب غامض لا تكشف الأحداث عن حقيقته مرة واحدة، حيث نعتقد فى البداية أنه مجرد شاب متشدد إلى أن نقتاد نحو أكثر من توقع لحقيقته ونهاية أزمة تهديده للكاتب وأسرته عبر تسلله أكثر من مرة فى غرف المنزل وحديثه عن صديق الدكتور التيجانى، وكذلك اكتشاف شقيق مارلين غموض نظرات الشاب للكاتب الشهير ونيَّاته.

 

شركاء الحالة
دلالات الفيلم الموحية لم تقتصر على الحوار فقط، بل امتدت إلى أكثر من لقطة، مثل اللقطة العلوية العامة عند سقوط المطر وتسلل أسامة داخل منزل الأسرة، وكذلك مقتله الذى أدَّى إلى تحطيم المكتبة وتحرر كتب التنوير التى غطَّت جسد الشاب الإرهابى بعد سقوطها فوقه، وكذلك إخفاء السلاح فى ظهر لوحة آية «قُم فأنذر»، كاميرا هادى الباجورى أضفت الكثير على هذا الفيلم، سواء عبر أناقة الصورة ودقة وجمال الديكور الذى صنعه علِى حسام، أو من خلال تنوع اللقطات بين المتوسطة والقريبة بما يناسب حاجة كل كادر لتجسيد إيقاع الفيلم ونقل تعبيرات الممثلين الذين تم اختيارهم بما يناسب كل شخصية تمامًا، خصوصًا خالد الصاوى الذى قدَّم أداءً شديد التميز والإتقان، وبدا من خلال تجسيده دور الدكتور التيجانى ممثلًا بارعًا بذل مجهودًا كبيرًا وموفقًا فى رسم تفاصيل الشخصية دون أن تفلت منه فى لقطة واحدة، كما تميز أحمد مالك أيضًا، خصوصًا فى النصف الثانى من الفيلم بعد الكشف عن نيَّاته الحقيقية، وهو ما استلزم أداءً شديد الدقة، للتعبير عما يعانيه شخص مثل أسامة من تخبُّط فكرى وتشوه نفسى وعاطفى، كما قدمت جميلة عوض أداءً تلقائيًّا محببًا ضاعف من تأثيره امتلاكها ملامح جميلة تعشقها الكاميرا، وقدمت شيرين رضا أداءً متوازنًا لشخصية مارلين، أجادت من خلاله تجسيد تعبيرات الفزع والصدمة بعد تكميمها من قِبَل أسامة، وأضاف كلٌّ من ماجد الكدوانى ومحمد ممدوح ألقًا مميزًا لشخصيتيهما رغم ظهور كل منهما فى مشهد وحيد ضمن أحداث الفيلم.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات