.

قصص السيرة.. التى تبكينا دون أن تحدث

Foto

ما حقيقة قصة العنكبوت والحمامتين؟ كيف حسن ابن كثير رواية القصة وكيف ضعفها فى ذات الوقت؟ ولماذا اخترعوا حديث «جزى الله عز وجل العنكبوت عنا خيرًا»؟ ولماذا رفض الألبانى كل ما يتصل بذكر العنكبوت والحمامتين؟


كنت وقتها طفلا فى الصف الثانى الإعدادى حين دخل علينا أخى الأكبر «خالد» عائدًا من كليته التى يدرس بها، وهى كلية التربية بجامعة المنوفية، وكان وقتها فى السنة الثالثة له من الدراسة. دخل خالد علينا بوجه عابس تكسو ملامحه كل معانى الاشمئزاز ومعالم الغضب.


ظننت لأول وَهْلة أنه ربما تشاجر مع أحد فى طريق عودته، وإن كانت أخلاقه وطباعه تجعل هذا الظن لا أساس له ولا أصل، أو ربما فقد حافظة نقوده بما فيها من نقود، وبطاقته الشخصية وكارنيه إثبات التحاقه بالكلية.. وظنون أخرى كثيرة مما ثبت فى النهاية عدم جدواها وجديتها.


فعندما سألناه عن سبب غضبه، رد علينا بما لم يكن فى الحسبان والخاطر، وهو أن اليوم كانت محاضرة الدكتور والمؤرخ الشهير عبد العظيم رمضان، أستاذ التاريخ الحديث، وكان فى هذا الوقت -أواخر الثمانينيات- يحاضر لطلبة كلية التربية، قسم التاريخ بالمنوفية.


لكن ما المشكلة فى ذلك؟
رد أخى بقوة، قائلا بالحرف: «الراجل خرج عن موضوع المحاضرة واتكلم فى الدين وقعد يفتى ويخرف وينكر حاجات من أصل ديننا، ده عدو للدين ومش مؤمن بالسُّنة ولا بالسيرة، ده عدو للإسلام ويستاهل ضرب الـ…».


إذن المسألة كده فيها كلام كبير، يبقى نصحصح شوية ونركز مع بعض.

سألت أخى على الفور وكنت وقتها قارئًا بسيطًا على قد الحال: وماذا أنكر الرجل من الدين؟ وما تخاريفه التى أغضبتك إلى هذا الحد؟ وهل غضب كل زملائك إلى هذا الحد الذى أنت عليه؟


رد خالد بسرعة: الراجل ابن... بينكر قصة الحمامتين والعنكبوت اللى كانوا على الغار وحموا النبى من الكفار اللى عاوزين يقتلوه.. وطبعًا كل الطلبة اللى معايا فى المحاضرة قالوا ده جاهل وكافر ومابيعرفش حاجة فى الدين.


طبعًا وقتها أنا كنت لسه طفل أو عيل صغير، وكانت بالنسبة ليا قصة الحمامتين والعنكبوت مش بس جزء من الدين، لأه دول الدين نفسه، يا نهار أزرق! حد يقدر يقرب للحمامتين والعنكبوت، ده أنا أكتر حاجة بسمعها وتخلينى أعيط من خطيب الجمعة قصة الهجرة!


وحكاية الحمامتين والعنكبوت لدرجة إن كان عندنا صورة فى البيت مرسوم فيها الغار وعليه جوز الحمام والعنكبوت، فالعملية بالنسبة ليا دين بجد، العنكبوت والحمامتين خط أحمر يا أولاد الذين…
لهذا قلت فورًا، ودون تفكير: الراجل ده كافر وابن ستين... والمحاضرة الجاية اضربوه كلكم بـ… ده ربنا هيحرقه بجاز.


وظللت على هذه الحال لفترة من الزمن، أكره بكل جوارحى عبد العظيم رمضان، وأعتبره مارقًا من الدين لا يحب الله ولا يؤمن بمعجزات رسوله، ولا يصدق قصة الحمامتين والعنكبوت!
إلى أن مَنَّ الله علىَّ بنعمة العقل والبحث وإعادة النظر فى كثير مما كنت أظنه من المسلَّمات والبدَهيات التى لا تقبل النقاش أو المساءلة.


وكان مما فوجئت به عند البحث أن كثيرًا من القصص والحكايات التى كان يرددها علينا خطباء المساجد يوم الجمعة وبالتحديد فى ما يتصل بالسيرة النبوية، هى من الموضوعات التى لا أصل لها، أو على الأكثر من الضعاف التى لا يعوَّل عليها ولا يوثَّق فى حقيقة وقوعها، ومن ثم الاعتماد عليها فى التأريخ لسيرة ومسيرة النبى الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم.


وللأسف كانت قصة العنكبوت والحمامتين من هذا النوع من القصص الضعيفة، فحسب رواية الإمام أحمد فى مسنده:


«… فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا فى الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا لم يكن نسيج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليالٍ».


وقد قال ابن كثير فى «البداية والنهاية»: «وهذا إسناد حسن وهو من أجود ما روى فى قصة نسج العنكبوت على فم الغار».


لكنه عاد فى كتابه «الفصول فى سيرة الرسول» ليقول: «ويقال والله أعلم إن العنكبوت سدت على باب الغار، وإن حمامتين عششتا على بابه». واستخدامه تعبير «يقال» وهو صيغة تضعيف وفقًا لمصطلحات علم الحديث، يعنى أنه لم يحسنها هنا، بل يفهم من كلامه خلاف ذلك.


وفى سلسلة الأحاديث الضعيفة، قال الشيخ الألبانى بعد أن ضعّف الحديث: «ثم إن الآية المتقدمة (وأيده بجنود لم تروها) فيها ما يؤكد ضعف الحديث؛ لأنها صريحة بأن النصر والتأييد إنما كانا بجنود لا تُرى، والحديث يُثبت أن نصره -صلى الله عليه وسلم- كان بالعنكبوت، وهو مما يُرى».


ويميل الألبانى إلى أن الجنود فى الآية هم الملائكة، وليس العنكبوت ولا الحمامتين، ولذلك قال البغوى فى تفسيره الآية: «وهم الملائكة نزلوا يصرفون وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته».


وعلى ما يبدو فإن الكذبة والوضاعين لم يكتفوا بهذا، بل اخترعوا أيضًا حديثا نسبوه للنبى، ليؤكدوا به حقيقة قصة العنكبوت الذى حمى النبى من الوقوع فى أيدى المشركين. ففى مسند «الفردوس» للديلمى: «جزى الله -عز وجل- العنكبوت عنا خيرًا فإنها نسجت علىّ وعليك يا أبا بكر فى الغار، حتى لم يرنا المشركون، ولم يصلوا إلينا».

وهو حديث لا أصل له، وقد أورده الألبانى فى السلسلة الضعيفة، وقال عنه «حديث منكر».


ولكى يحسم الألبانى الجدل حول القصة كلها، ولا يترك فرصة لأحد، قال بمنتهى الوضوح والثقة: «واعلم أنه لا يصح حديث فى عنكبوت الغار والحمامتين على كثرة ما يُذكر ذلك فى بعض الكتب والمحاضرات».


تخيلوا هذه هى حقيقة القصة التى عشت طفولتى كلها كما عاش غيرى يطرب لها ويبكى لسماعها، وليتنى وقفت بها عند هذا الحد، بل ظننتها جزءًا أساسيا من دينى وإيمانى، فسارعت -كما سارع أخى الأكبر وزملاؤه- بتكفير المرحوم الدكتور عبد العظيم رمضان واتهامه فى دينه لأنه استخف بها واستنكرها. والحقيقة أنه كان يعلم ما لم نكن نعلم.

وإنى الآن وإن كنت أتفق أو أختلف معه -رحمه الله- فى كثير من قراءاته للأحداث التاريخية، وكذلك تنقُّله المحير فى مواقفه السياسية، فإننى بالقطع لن أختلف معه فى ما سبقنى إليه حول قصة العنكبوت والحمامتين.


اللهم أرِنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

ولا تجعلنا من المستكبرين.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات