.

الشيخ «جمال الدين الأفغانى» مؤسس الاغتيال السياسى فى العصر الحديث

Foto

هل «الأفغانى» مؤسس الإسلام السياسى؟ هل كذب «الأفغانى» بشأن مسقط رأسه ليسهل حشره فى زمرة السنة؟ كيف فكر «الأفغانى» ودبر وخطط وساهم فى تنفيذ مؤامرة اغتيال شاه إيران؟


تداعيات الظرف التاريخى العربى الأخير من بدء ثورات الربيع العربى، وبالذات فى أعقاب ثورة المصريين فى 30 يونيو 2013 وتمردهم التاريخى على المصير الأسود الذى حمله فى طياته تسلط تيار الإسلام السياسى وهمجيته الفكرية وجنوحه للعنف واندفاعه إلى المقامرة بالتوظيف كأداة فى الصراعات الإقليمية والدولية ومتاجرته المقيته بقيم الدين وشعارات الإسلام، أمور كلها يجب أن تشكل – فى اعتقاد كاتب هذا المقال – دافعا قويا ومؤكدا باتجاه إعادة النظر فى الكثير من مُسَلَّمَات ثقافتنا وتاريخنا، وفى الصور المستقرة لحوادثه ولشخصياته الكبرى أمثال «جمال الدين الأفغانى».

فمما لا شك فيه أن السيد «الأفغانى» هو واحد من كبار الآباء الروحيين للنهضة الإسلامية الحديثة ولأفكار الإحياء والتجديد الدينى من جهة، وهو كذلك – ومن الجهة الأخرى - واحد من الرموز الباكرة للإحياء الأصولى فى المنطقة العربية، هذا لو نظرنا إلى أفكاره المرتبطة بإعادة إحياء الخلافة الإسلامية، وبعقده الآمال الكبرى على إعادة إنتاج الرابطة السياسية بين أقطار العالم الإسلامى بإضفاء الصبغة التحررية عليها، ولو نظرنا كذلك إلى ممارساته السياسية التى ستقربنا للغاية – فى إعادة القراءة التى يطرحها هذا المقال – من ممارسات وأفكار الإسلام السياسى فى طبعاته الإخوانية والسلفية الأخيرة فى العالم العربى.


فالسيد «جمال الدين الأفغانى» الذى يعامل باعتباره عاملا جوهريا فى إحياء حركة التجديد الدينى والسياسى والحضارى فى مصر والعالم العربى والإسلامى، يشكل منذ بداياته السياسية الأولى – وبمفرده – البذور الأولى لظاهرة خلط الإسلام بالعامل والعمل السياسى.

ورغم دعوته إلى فك أسوار العزلة السياسية والجمود الدينى إلا أنه منذ لحظاته الأولى تميز باستخدام وسائل لا تختلف كثيرا عن تلك التى يستخدمها اليوم تيار الإسلام السياسى فتوصف بأنها وسائل خداع سياسى وغش جماهيرى وانتهازية أخلاقية. وبدأ من مسقط رأسه ومكان مولده عام 1839 الذى زعم «الأفغانى» أنه «أسعد آباد» بالقرب من كابل بأفغانستان، لتأتى الرواية الفارسية فتذهب إلى أنه ولد بقرية بنفس الاسم ولكن بالقرب من حمدان فى إيران.

ويذكر «ج.إ.براون» فى كتابه «الثورة الفارسية» أن «جمال الدين» أراد أن يعرف بأنه أفغانى ليسهل حشره فى زمرة السنيين من المسلمين وليتخلى عن الحماية الفارسية التى كان يشك فى قيمتها. والمعروف أن فارس «دولة إيران» من الدول الإسلامية القليلة التى نجت من الاجتياح العثمانى العسكرى وظلت محتفظة باستقلالها، فلم تضمها الإمبراطورية العثمانية إلى أراضيها. ورغم النشأة العلمية لـ«جمال الدين» وثقافته الموسوعية التى بدأ تحصيلها منذ نعومة أظافره، إذ يقال إنه بدأ التحصيل العلمى فى مدرسة محلية حتى بلغ العاشرة، ثم واصل الدرس فى أماكن متفرقة فى إيران وأفغانستان، حتى إذا بلغ الثامنة عشرة كان قد وقف على جميع العلوم الإسلامية المعروفة وأجاد الكثير منها كالنحو وفقه اللغة وعلوم البلاغة والتاريخ الإسلامى وعلوم الشريعة والتصوف والمنطق والفلسفة والطبيعيات وما بعد الطبيعة والرياضيات وعلم الهيئة والطب والتشريح إلى غيرها من مختلف العلوم، إلا أنه كان غارقا فى ألاعيب السياسة ومؤامرات ونزاعات القصور الملكية أيضا منذ نعومة أظافره. فهو منذ انتهاء رحلة تحصيله العلمى التحق بخدمة الأمير «دوست محمد خان»، وسار فى جيشه ولازمه فى حصار وفتح «هراة» التى كان يحتلها ابن عم الأمير وصهره السلطان «أحمد شاه».


وبرحيل الأمير «محمد خان» بدأت المرحلة الصعبة من حياة «الأفغانى»، حيث خلف الأمير ابنه «شير على» الذى خاض نزاعا ضد إخوته الثلاثة على الحكم، ونشبت الحرب بين الثلاثة واندلع لهيبها، وانضم «جمال الدين» إلى «محمد» الذى رآه أعظم هؤلاء الإخوة، إلى أن انتهى الأمر إليه فصار «الأفغانى» كبير وزرائه.

لكن لم تلبث الحرب أن نشبت مرة أخرى بين الإخوة ليناصر الإنجليز هذه المرة الأمير «شير على» ويمدوه بالمال، فيظفر بأخيه «محمد» الذى يضطر إلى الفرار من البلاد ويوافيه الأجل قريبا.

غير أن الأمير الجديد المنتصر لا يمس «الأفغانى» بسوء ولا يجاهره حتى بالعداوة، فقد كان الأخير محتميا بسلطان عائلته القبلى من ناحية، وبسلطانه الدينى والسياسى على العامة من الناحية الأخرى.

غير أن «جمال الدين» أحس بأن الأمير يضمر له شرًّا ففضّل مبارحة البلاد واستأذنه فى الحج فأذن له، من ثم سافر إلى أفغانستان عام 1869، ومنها إلى الهند فالأستانة عاصمة الخلافة بتركيا، فمصر « الخديو إسماعيل». حيث حمل خلال رحلته، التى نشر خلالها بذور الثورة ودعوات النهضة والإصلاح وواجه سلطات الجمود الدينى والسياسى وسلطات الاحتلال فى كل البلدان التى زارها، مرارة هزيمته السياسية على يد خصمه الأمير «شير على» المدعوم بسلطة الإنجليز، وكان ذلك دافعا قويًّا ودليلا جديدا لديه على ضرورة التحرر والانعتاق من ربقة الاحتلال.


لم تنقطع خلال ذلك علائق «الأفغانى» السياسية ببلاده «إيران». ففى عام 1889 بينما كان فى مهمة سرية لشاه الفرس فى «ميونيخ»، قابل الشاه «ناصر الدين» الذى كان يزور أوروبا حينذاك، فحسن له الشاه مرافقته إلى إيران ليجعله كبيرا لوزرائه. وتلقاه الإيرانيون فى هذه العودة الثانية باعتباره زعيمهم المعبر عن أمانيهم، لكن سريعا ما تحركت من جديد شكوك الشاه الأولى فيه، وفكر «جمال الدين» فى أنه يمكنه تكرار رحلته الأولى فاستأذن الشاه فى مبارحة البلاد، غير أنه أبى عليه ذلك هذه المرة فى غير مجاملة، فاحتمى بمقام «شاه عبد العظيم» ذى الحرمة المقدسة عند الإيرانيين، ودعا علانية إلى عزل الشاه، وانتهى الأمر بهجوم قوات الشاه على مقام «شاه عبد العظيم» والقبض عليه وهو على فراش المرض، ثم أُبعِد إلى حدود الدولة العثمانية. ولم تكن تلك أيضا نهاية علاقته بالسياسة الداخلية فى إيران.

إذ نشبت سنة 1896 ثورة أهلية كان لاثنى عشر من تلاميذه ضلع كبير فى تنفيذها والتخطيط لها، واغتال واحد منهم -وكان «مرزا رضا الكرمانى»- الشاه خلال ذلك.

ومن ثم اعترف القاتل فى استجوابه بأن «جمال» وحده كان من وقف على سر خطته لقتل الشاه.
وحول مكانة الاغتيال فى عقل «الأفغانى» يذكر «إ.ج.براون» أنه خلال حديث معه قال له «جمال الدين»: «لا أمل فى الإصلاح قبل قطع ستة أو سبعة رؤوس» وسمّى بالاسم شاه العجم وكبير وزرائه، وكلاهما قتل بعد ذلك.

ويبدو أنه قد حمل كذلك بذور العنف والاغتيال إلى كل الأماكن التى حلّ فيها، لأن «بلنت» يقول فى كتابه الشهير الذى يدور حول الثورة العرابية «التاريخ السرى لمصر»، إنه فى ربيع عام 1879 كثرت المناقشات بين أنصار «جمال» فى الوسائل التى يمكن بها خلع «الخديو إسماعيل» أو فى اغتياله إذا استعصى خلعه.

كما روى «اللورد كرومر» المندوب السامى البريطانى فى مصر، وكان صديقا للإمام «محمد عبده»، أن الإمام ذكر له أن الكلام دار فى خطة معينة لاغتيال «الخديو إسماعيل» و«لم تنفذ لعدم وجود الشخص الذى يتكفل بذلك».


وعن جذور العنف فى اتجاهات «الأفغانى» السياسية يلوح الكاتب «جورجى زيدان» فى كتابه «مشاهير الشرق» إلى ارتباطها بمكيافيليته السياسية، إذ يقول: «كانت الغاية التى يرمى إليها جمال الدين والغرض الأول من جميع جهوده التى لا تعرف الكلل ومن إثارته النفوس وتهييجه المتواصل الناس، توحيد كلمة الإسلام ولَمَّ شمل المسلمين، فى سائر أقطار العالم فى حوزة دولة واحدة تحت ظل الخليفة الأعظم، لا يشاركه فى الحكم أحد، كما كانت الحال فى أيام الإسلام المجيدة وعصره الذهبى.. كان يريد أن يرى قبل موته تحقيق النتائج. فكافح لقلب النظام القائم. وكان يرى جواز خلع وقتل أمراء المسلمين، الذين يشجعون الاعتداء الأوروبى، أو يرضون عنه فيقيمون بذلك الحوائل بين الناس وبين خلاصهم على ما يرجون». وحول سياسة «الأفغانى» التى جنحت إلى التغيير المتواصل للاتجاهات وتبديل الولاءات السياسية بصورة نفعية ومتقلبة، يقول الشيخ «رشيد رضا»: «إن غرضه كان ترقية دولة إسلامية أية دولة كانت فبدأ بمصر ولما أخفقت خططه فيها تعانقت آماله بفتنة المهدى فى السودان ثم بلاد إيران وأخيرا بالدولة العثمانية».


وبعد، فهذه سطور من سيرة «الأفغانى» تطرح بحد ذاتها كل الأسئلة الصعبة بصدد تجربة الإسلام السياسى، أسئلة فرضت نفسها مغمسة بالدماء خلال السنوات القليلة التى مضت منذ بدء الربيع العربى. فهل آن الأوان لطرح كل هذه الأسئلة الصعبة على سيرة السيد «جمال الدين الأفغانى»؟.

والسؤال الأول المهم يجب أن يذهب إلى تحديد مسؤولية «الأفغانى» التاريخية وبكل دقة عن تأسيس أكبر ظاهرة للعنف والاستغلال السياسى للإسلام فى العصر الحديث، وهى ظاهرة الإسلام السياسى.

فهل تشفع للسيد «الأفغانى» صدق نياته وإخلاصه المجرد من العامل الشخصى لأهدافه الأممية العظيمة؟ وما الذى يمكن أن يؤكد ذلك ويجعلنا نثق به؟ وهل يختلف هذا التأكيد لبراءة «الأفغانى» عن كل تأكيدات حسن النيات التى تصدر من جماعة مثل الإخوان المسلمين انغمست طيلة تاريخها فى المؤامرات السياسية الدولية وخطط أجهزة المخابرات وقضايا التمويل الخارجى والعنف والتكفير والإرهاب المادى والمعنوى واغتيال الخصوم داخليا؟


أما السؤال الثانى المهم، بل ربما يكون الأول حقيقة، فيطرح المدى الذى يجب أن نذهب إليه فى تأكيد ارتباط العنف بظاهرة الأصولية الدينية والإسلام السياسى؟ وهل يمكن الحديث عن الإسلام السياسى بدون افتراض وجود ألوان من العنف السياسى والتكفير الدينى والاغتيال المذهبى يكون حاضرا دائما فى الخلفية لو لم يكن مجسدا فى مقدمة أحداث الواقع؟ هل العنف عامل جينى مكون وهيكلى ثابت فى أصل بناء الإسلام السياسى؟ وهل أن التكفير والاغتيال دودة كامنة فى أصل شجرة الأصولية بأكثر من ارتباطه بمتغيرات ظرف تاريخى معين؟


أما السؤال الأخير الذى يطرحه هذا المقال - منذ بدايته إلى نهايته - فأتركه لضمائر القراء والمفكرين، وهو: لماذا تم إسدال الستار والسكوت المريب على هذا الجانب المخجل من سيرة حياة مناضل الشرق «جمال الدين الأفغانى»؟ هل لمجرد أننا أردنا منذ البداية الحفاوة به بدون منغصات؟ أم لأن العنف فى بنائنا العقلى والثقافى الموروث وفى عقيدتنا الدينية المسكوت عنها واللا مفكر فيها من حقائق الحياة ونوافل القول؟.


وتلك هى الكارثة الحقيقية لو صح ذلك!.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات