.

عيار نارى.. لا يزال الجدل مستمرًّا

Foto

لماذا لا يمكننا تقييم الفيلم سياسيًّا؟


لا شك أن تعريض أى عمل فنى للتقييم السياسى هو أمر يقف حائط صد أمام أى إبداع، لأنه يعنى أن سكينًا مسلطة على رقاب صُناع العمل تجعلهم يخشون التخوين، وأن مساحة النقاش المطروحة لتحليل أى عمل يتعرض لحدث سياسى ستتحول إلى ساحة معارك كالتى شاهدناها مرارًا فى البرامج السياسية، التى يتبادل فيها الضيوف -أحيانًا- السباب بدلًا من الآراء.

 

تلك المقدمة لا تنفى بشكل قطعى وجود بعض الأعمال الفنية الموجهة، التى صُنعت خصيصًا لأداء غرض معين، فى الغالب يكتشفه الجمهور بعد المشاهدة الأولى، فيكون عقابهم له هو عزوفهم عنه؛ لذلك يمكن اعتبار طوفان الجدل الذى انطلق من مهرجان الجونة، حيث العرض الأول خارج المسابقة الرسمية لفيلم «عيار نارى»، الذى اتسعت رقعته بعد عرضه جماهيريًّا مطلع الشهر الجارى، أمرًا غريبًا نوعًا ما، إذ لم يكن سبب الجدل هو المستوى الفنى للفيلم، الذى عليه كثير من المآخذ، بقدر ما تعلق بخطابه السياسى، إذ اتهمه البعض بمُعاداة ثورة يناير ومحاولة تشويه شهدائها، بينما رأى بعض آخر أن الفيلم ينتمى إلى نوعية الأفلام البوليسية، التى اتخذت من الثورة سياقًا عاما لها، لكنها ليست بالضرورة تقصد تقييمها بالمدح أو بالذم، وما بين هذا وذاك غاب الحديث عن السينما وعناصرها الفنية من إخراج وسيناريو ومستوى أداء الأبطال.
 

تدور أحداث «عيار نارى» خلال إحدى المظاهرات التى شهدتها مصر فى الأيام التى تلَت ثورة يناير، بين المتظاهرين وقوات الأمن، ونتج عنها وقوع ضحايا، تم نقلهم إلى مصلحة الطب الشرعى لكتابة تقارير الوفاة واستخراج تصاريح الدفن، الأمر الذى كان مكلفًا به ليلتها الطبيب الشرعى ياسين المانسترلى، الذى قام بدوره أحمد الفيشاوى، وبينما كانت غالبية التقارير تشخص سبب الوفاة بأنه قد تم عن طريق عيار نارى من مسافة بعيدة، حيث كان القناصة ينتشرون على أسطح البنايات، ظهرت حالة لأحد المتوفين، يُدعى علاء «أحمد مالك» مغايرة لبقية الحالات، فبعد فحصها كتب الطبيب الشرعى فى تقريره أنه قد قُتل بعيار نارى من مسافة قريبة.

 

بداية الأزمة تكمن فى تسرب هذا التقرير للصحافة عن طريق صحفية لعبت دورها «روبى»، إذ استطاعت الحصول عليه عن طريق علاقاتها بالعاملين فى المشرحة، لكن ثورة أقامها أهالى زينهم، حيث كان يسكن القتيل صاحب التقرير المخالف، يقودها أخوه «محمد ممدوح» حوَّلت الأمر إلى صدام بين الطبيب ومديرة المشرحة، ما ترتب عليه إيقافه عن العمل، وما زاد الأمر صعوبة اعتياد ياسين على تناول الكحوليات فى أثناء عمله، ما شكك فى مصداقية التقرير، ودفعه لخوض رحلة طويلة فى محاولة استرداد شرَفه المهنى، ليثبت فى النهاية أن تقريره كان صائبًا، وأن الشاب قُتل على يد شقيقه، لأنه كان سيئ الطبع، يضرب والدته ويستنزفها ماديًّا، بل إنه قد تورط جنسيًّا مع خطيبته فى علاقه حملت بسببها، ما جعلها تشارك طواعيةً فى إخفاء أمر قتله، وتوافق على الزواج بشقيقه حتى لا يفتضح أمرها، ورغم وصول الطبيب فى نهاية الفيلم إلى الدليل الذى يحافظ من خلاله على سُمعته ومهنيته، فإنه يتخلى عن رأيه الطبى بعد أن عرف تفاصيل القصة، ويعترف بأنه أخطأ مقدمًا استقالته من منصبه، ما فسره البعض بأنه ضربة فى مقتل لما يُعرف بالنقاء الثورى، الذى هو فى الحقيقة وهم، فكل شىء فى الحياة، لا سيما ثورة يناير، يوجد فيه ضحايا، ويوجد فى مقابلهم متسلقون على دماء هؤلاء الضحايا، والدليل أن العدد الكلى للشهداء هذا اليوم كان ثمانية، سبعة منهم كانوا شهداء ثورة، بينما دُست جثة علاء بينهم، فاستفاد شقيقه وأمه، إذ أُخفيت فعلتهما، وحصلا على شقة سكنية ومحل لبيع الهواتف المحمولة كتعويض لهما.
 

وبغض النظر عن الجدل السياسى المستمر حول الفيلم، فالفيلم به بعض المشكلات الفنية التى لا يمكن تجاهلها، وعلى رأسها الملل الذى يصيب المشاهد بعد انقضاء الربع الأول منه؛ لأن الجميع يعرف من سياق الأحداث أن الأخ هو القاتل، وأن كل ما يحدث على الشاشة من محاولات لإثبات ذلك لا تشكل إضافة حقيقية للمتلقى المتحفز بالأساس، وبالتالى فإن التصعيد الدرامى ضمن أحداث الفيلم لم يقابله انجذاب بنفس المستوى من قبَل المتلقى، بالإضافة إلى أنه من غير المنطقى أن تسهم مديرة مصلحة الطب الشرعى فى تزوير تقرير لا يدين الداخلية لتجعله يدينها، وعلى الجانب الآخر فإن السياق الزمنى للأحداث به خلل كبير، فالحكاية من جزئية أهل المتوفى الذين حصلوا على تعويض ونالوا تكريمات، توحى بأن الأمر قد مرت على حدوثه فترة زمنية كافية، بينما من الاتجاه الآخر كان الطبيب لا يزال يتم تحويله للتحقيق وإيقافه عن العمل، أى أن المدة الزمنية على مرور الحادث لم تكن كبيرة، ولا يمكن أن تتجاوز أسبوعًا على أقصى تقدير، الأمر الذى لا يستقيم معه كل هذا التغير الذى أصاب حال الأسرة، ومع ذلك فإن هذا الخلل لا يعنى أن سرد الحكاية لم يكن متماسكًا، وأن اللغة البصرية التى استخدمها المخرج كريم الشناوى فى أول فيلم طويل من إخراجه، بمعاونة مدير التصوير عبد السلام موسى، لم تكن مميزة بصريًّا، حيث استطاع كل منهما من خلال الإضاءة القاتمة فى مشاهد مصلحة الطب الشرعى، واللقطات الواسعة فى مشهد المحاجر، حيث يعمل شقيق المتوفى، تقديم صورة فنية لها خصوصيتها.
 

أما الأداء التمثيلى للأبطال فتظل المشكلة الأزلية لمحمد ممدوح هى مخارج ألفاظه التى تخصم جزءًا كبيرًا من الإحساس الذى يمتلك فيضًا منه، وقد كانت مشاهده مع الفيشاوى الصغير أشبه بمبارزة فنية قوية، تنتهى دائمًا بالتعادل الإيجابى، خصوصًا أن الأخير لديه قدرة من خلال أدائه على أن يجعلك تتوحد مع الشخصية، وتنسى تمامًا شخصيته الحقيقية التى يتعمد من خلالها إثارة الجدل كل فترة.
 

وقدمت روبى «الصحفية» دورًا قويا يضاف إلى رصيد أعمالها القليلة نسبيًّا، بينما لم تستطع أسماء أبو اليزيد، فى دور خطيبة القتيل، تقديم نفسها سينمائيًّا بنفس القوة التى قدمت نفسها من خلالها فى التليفزيون، إذ لم يكن لها أى تأثير يُذكر فى «عيار نارى» أو فى فيلم «الكويسين» الذى عُرض فى موسم عيد الأضحى الماضى كأول ظهور سينمائى لها.
 

وفى المقابل، استطاعت عارفة عبد الرسول تقديم دور الأم المكلومة التى لا تستطيع البوح بما فى داخلها من ألم بشكل مؤثر جدا، كما تمكن أحمد كمال، رغم قلة مشاهده وانحصارها جميعًا على فراش المرض، من تقديم أداء قوى لا يمكن أن يُنسى بسهولة، حيث لعب  دور والد الطبيب ياسين، الذى شغل منصب وزير الصحة فى فترة ما، وخرج منه بمخالفات مالية جسيمة تسببت فى شرخ واضح فى علاقته بابنه، لكن إيمانه بأن ابنه لم يخطئ فى كتابة التقرير، ودعمه له، تسببا فى ترميم هذا الشرخ.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات