Gotti.. جون ترافولتا وكلاشيهات أفلام المافيا!

Foto

هل تورَّط الفيلم فى تلميع صورة زعيم المافيا جون جوتى؟ لماذا افتقد الفيلم روح وجاذبية نوعية دراما عائلات الجريمة المنظمة؟


فى منتصف السبعينيات بدأت مسيرة جون ترافولتا الفنية، كراقص وممثل، وواحد من أهم نجوم هوليوود الصاعدين، فى ذلك الوقت نفسه بدأت مسيرة رجل المافيا الشاب جون جوتى فى الصعود، كقاتل لا يرحم، وكتاجر مخدرات، وأحد أهم رجال عائلة جامبينى الإيطالية المقيمة فى نيويورك، وتمارس نشاطها فى مجال الجريمة المنظمة، وتمر السنوات ويجسد جون ترافولتا شخصية زعيم المافيا الراحل جون جوتى فى أحدث أفلامه Gotti «جوتى».

الفيلم سيناريو ليو روسى وليم دوبس وإخراج كيفين كونللى وهو معروف كممثل أدوار مساعدة، وهذا فيلمه الطويل الثالث كمخرج، وأغلب مشاركاته الأخرى فى إخراج حلقات بعض المسلسلات، وأبرزها إخراج حلقتين من مسلسل السيت كوم «Entourage».
ويشارك فى بطولة الفيلم سبنسر لوفرانكو فى دور جون جوتى الابن، وكيلى بريستون التى تقوم بدور ابنته كيم، وتجسد ميجان ليونارد شخصية فيكتوريا زوجة جون جوتى.
هذه ليست المرة الأولى التى يجسد فيها ترافولتا دور رجل جريمة، ولكن شخصية جوتى الحقيقية كأحد أشهر زعماء المافيا الإيطالية فى أمريكا تمنح الفيلم أهمية خاصة، فعائلة جوتى هى التى رشحت جون ترافولتا لأداء الشخصية، ربما للتشابه الواضح بين ملامح ترافولتا وجوتى، وكانت ابنة جوتى «كيم» وابنه «جون» حاضرَين فى موقع التصوير بصفتيهما استشاريين لفريق العمل، وأمدا جون ترافولتا بكثير من الملابس والإكسسوارات التى تخص جون جوتى، للاستعانة بها فى أثناء التصوير.
مشاهدة فيلم «جوتى» تستدعى للذاكرة أفلامًا من نوعية The Godfather «الأب الروحى»، وGoodfellas «رفقة طيبة»، ومسلسل The Sopranos «آل سوبرانو»، فهو من نفس النوعية التى تغوص فى عالم الجريمة المنظمة، بتفاصيل شخصياتها المركبة، وقوانينها الصارمة، وهو يصور سيرة حياة جون جوتى، زعيم عائلة جامبينى، ذات الأصول الإيطالية، وقصة صعوده وهبوطه فى أمريكا، ما بين حقبتَى السبعينيات والتسعينيات، والخيط الدرامى الرئيسى هو العلاقة المركبة بينه وبين ابنه وخليفته حول استمرار المنظمة الإجرامية بعد القبض على الأب، والحكم عليه بالسجن مدى الحياة، وإصابته بالسرطان. يرى الابن أن سبب وجوده فى المنظمة انتهى بوجود والده فى السجن، فهو فى الأساس كان يسعى لمساعدة والده فى الحفاظ على المنظمة، أو المؤسسة كما يُطلق عليها، وهو يحاول إقناع الأب بخطته لقبول صفقة يدخل بمقتضاها الابن السجن سنوات محدودة، مقابل عدم محاكمته، لكن الأب يرى أن عليه مقاومة السلطة حتى النهاية، فهم لن يتركوه يخرج من السجن بعد أن دخله بقدميه.
هذا الخيط الرئيسى يعتمد على ما كتبه جون جوتى الابن فى كتابه Shadow of My Father «ظل أبى»، ويرصد فى جزء كبير منه محاولته العيش مع عائلته بعيدًا عن ظل والده، ونشاط عائلة جامبينى فى مجال الجريمة، ويعتمد هذا الجزء على حوار طويل بينه وبين الأب، فى أثناء زيارته فى السجن، وكل منهما يحاول إقناع الآخر بمنطقه، ويتخلل هذا الحوار الجدلى مشاهد فلاش باك تستعرض كيف استولى الأب على زعامة المنظمة بعد تآمره لقتل زعيمها بول كاستيلانو، وكيف أدار العمل خلال العقود التالية.
لا توجد علاقة بين الفيلم وأفلام المافيا المشهورة إلا الاشتراك فى نفس النوع، لكن «جوتى» كفيلم مافيا مخيب للآمال، ويعانى ارتفاع نبرة الكلاشيهات فى الحوار ورسم الشخصيات، ولا توجد خصوصية فى إخراج مشاهد العنف والجريمة، والأحداث تسير بلا رؤية فنية خاصة، فنحن أمام استعراض عادى لسيرة جون جوتى، مع كم مكثف من الشخصيات والأسماء والأحداث فى مشاهد أقرب إلى الثرثرة، دون أدنى تعاطف مع هذه الشخصيات وأزماتها الدرامية.
هناك لحظات حاول فيها الفيلم تصوير زوايا غير مطروقة إعلاميًّا حول جوتى، منها تأثير حادث وفاة ابنه الصغير فى حادث سير بجوار منزله، وانهيار زوجته، ومرّ الفيلم بصورة مبتورة على انضمام جون جوتى الابن الأكبر إلى الجيش، ثم ترك الحياة العسكرية ليكون مساعدًا لوالده، وهذه التفصيلة كانت مهمة لتبرير إيمان شخصية جوتى الابن بالتعامل مع مؤسسات القضاء والعدل بالدولة، فى حين يؤمن جوتى بأنها مؤسسات فاسدة وغير نزيهة، ويجب محاربتها.
يقدم جون ترافولتا شخصية زعيم المافيا جون جوتى، بمزيج من الصلابة والثقة بالنفس، وبملامح أنيقة ومتعجرفة، وبمشاعر دافئة حينما يتعلق الأمر بزوجته وأبنائه. هو نموذج كلاسيكى لرجل المافيا الإيطالى الذى يحمل عصبية وعاطفية رجال البحر المتوسط، وكرجل منظمة إجرامية يتعامل مع رجاله كجزء من عائلته، كل شىء داخل هذا التنظيم دقيق ومحدد، والطاعة أساس العلاقة بين الزعيم ورجاله، ولهذه العلاقة الوثيقة ثمن باهظ فى حالة الخيانة، أو التعاون مع الدولة ضد المنظمة.
ترافولتا يقدم أداءً جيدًا لشخصية جوتى دون كاريزما تبقى فى الذاكرة بعد انتهاء الفيلم، وهذا الأداء أهدره سيناريو مفكك ملىء بكلاشيهات أفلام ومسلسلات المافيا الشهيرة، دون أن يقدم الفيلم نفسه مشهدًا يحمل أصالة وخصوصية.
الاتهامات التى طالت الفيلم بتلميع شخصية جون جوتى، وتصويره كما لو كان بطلًا يحارب مؤسسات القانون والقضاء الفاسدة قد تكون لها وجاهتها، خصوصًا مع كم الرعاية التى منحتها عائلة جوتى للفيلم، ومتابعتها للتصوير يوميًّا، وتقديم النصح والمواد المصورة والإكسسوارات الخاصة بجوتى نفسه.
الفيلم لا ينفى عن جون جوتى ممارسته الجريمة، ويصوره وهو يقوم بنفسه بعمليات قتل فى بداية عمله بالجريمة المنظمة، بل يصور عملية حصوله على زعامة عائلة جامبينى بعد مؤامرة قتل رئيسها السابق، لشكّه أنه يدبّر لقتله، بعد ضبط جوتى متلبسًا بتجارة الهيروين، وهو أمر محظور فى العائلة، ويُعَرض مرتكبه للقتل، ولكن لاحقًا يركز الفيلم على علاقته الدافئة بعائلته وزوجته، وابنه الأكبر، وعلى ميله لتجنُّب العنف فى إدارة أعمال المنظمة، فى حين تختفى تفاصيل نشاط المنظمة فى مجال القتل، والسطو المسلح، والدعارة، والخطف، والربا، والمراهنة غير الشرعية، وغيرها من مجالات تحصيل المال بصورة غير قانونية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات