.

لجنة الدراما والديناصور منصور

Foto

هل تقضى لجنة الدراما على بقايا الحرية الممنوحة للدراما؟ لماذا تتعامل الدولة مع المبدعين على أنهم قُصَّر يحتاجون إلى التوجيه والإرشاد؟ كيف تدافع اللجنة عن حرية الفن وفى نفس الوقت تقف مع الرقابة عليه؟


ليس صحيحا أن الديناصورات لم تعش فى مصر، فقد اكتشف علماء مصريون هيكل ديناصور فى الواحات الداخلة قبل أيام، سموه منصوراصورس، تيمنا بجامعة المنصورة التى ينتمى إليها الباحث المشرف على البعثة المكتشفة. انقرضت الديناصورات فى العالم كله إلا فى مصر، ما زالت روحها تعيش وتتنفس من خلال عقول وأجساد بشرية، وتمارس مهمتها المقدسة فى الدفاع عن عالمها القديم الحجرى حتى لا ينقرض كما حدث فى كل العالم، وهناك أكثر من منصوراصورس يتم اكتشافهم كل يوم، فى مجالات كثيرة ومتنوعة من بينها السياسة والإعلام والفن.

 

الفن هو الإبداع الأكثر ديمقراطية من بين كل النشاطات البشرية، ففى حين يرفض مثلا رجال السياسة والاقتصاد والأمن وسائقو التاكسى والنجارون والحرفيون وغيرهم التدخل فى عملهم، لأنهم أدرى به وأعلم بتفاصيله، يُرحب الفن بكل نقد يحلل تفاصيله، ويعيد قراءته، وحتى النقد السطحى والانطباعى، ونقد عابرى السبيل الذين لم يشاهدوا العمل الفنى بتركيز مُرحب بتعليقاتهم وهريهم وهرتلتهم، وقد يصل الأمر بالبعض إلى الاعتراض على موضوعات الدراما، وتعلو الثرثرة والأسئلة الغريبة من نوعية: لماذا تقدم السينما حكايات عن العشوائيات؟ ولماذا تصور البلطجية واللصوص والفاسدين؟ وكيف تجرؤ الدراما على تصوير عيوب الطبقة الوسطى؟ ولماذا لا تبرز إيجابيات الحكومة؟ وهذا جزء من تراث سقيم يعشش فى عقول البعض ويرى الفن غرفة صالون الوطن التى يجب أن تكون نظيفة وجميلة، ومهيأة دائما لاستقبال الضيوف، وهناك آراء قد تتسامح مع ظهور الشخصيات السلبية، والبلطجة والعشوائية لكن فى إطار صفقة فنية، وهى ظهور شخصية إيجابية فى مقابل القبول بظهور الشخصية السلبية، ومثل هذه الآراء التى تضع معايير، وتحدد أولويات لصناع الفن لا تخرج عن كونها مجرد رغى مباح، ومقالات تملأ فراغ الصحف، وملاحظات يكتبها البعض على حسابه على فيسبوك لقتل الملل، أو قتل المنطق، والمصيبة هى أن يتحول مثل هذا الكلام إلى قوانين ولجان وجماعات ضغط تحاول توجيه الفن وإرشاده ومتابعة تناوله اللبن وغسله أسنانه كل يوم.

 

لا أحد يدافع عن الأعمال السطحية والمسفة، ولكن كثرة القوانين، وتعدد الجهات الرقابية تحت أية مسميات تضع عراقيل أمام الدراما، وأمام جميع المبدعين، بلا تصنيف أو استثناء، ويظن أعضاء لجنة الدراما التى تم تشكيلها بقرار من مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى للإعلام أن مشكلة من يرفضونها أنهم لا يفهمون طبيعة عملها، ويبنون آراءهم السلبية حولها بناء على الإشاعات، ولكن الأزمة الحقيقية فى حكاية لجنة الدراما هى وجودها فى حد ذاته، فالدراما المصرية مُكبلة بكثير من القوانين والمحظورات الرقابية، ومحاصرة بكثير من الآراء الرجعية السطحية التى تجد طريقها بكل أسف إلى بعض المحسوبين على الثقافة، وما يخرج الآن من أفلام ومسلسلات مهما اختلفنا على تفاصيله الفنية هو المتاح فى ظل مناخ كاره للفن والإبداع، والحكومات المتعاقبة تتربص بالفن، وتتعامل معه بمنطق منع ما لا يعجبها، وأمره بالتطبيل لإنجازاتها.

 

وتطور الأمر مع لجنة الدراما إلى محاولة تلقين الفن، وتحويله إلى موضوعات تعبير، ودراما نموذجية تتماشى مع ظروف الدولة وما تمر به من تحديات، وربما الوصف الملائم لهذه اللجنة هو ما جاء على لسان النجم عادل إمام وهى أنها لجان فاشية.

 

فى ظل مناخ خانق لحرية التعبير، وحاجب لمواقع الإنترنت، وساجن للمفكرين والأدباء، فى مناخ يتهم المخرج الكبير داود عبد السيد بمحاولة قلب نظام الحكم، ومناخ يعادى أى فنان له موقف سياسى معارض لا نتوقع مشاهدة فيلم سياسى جاد، ولن نشاهد مسلسلا يناقش الفساد بشكل حقيقى، والتعبير الحقيقى عن تجاوزات مؤسسات وأجهزة الدولة يكاد يكون من المحرمات، وحينما يخرج علينا كيان مثل لجنة الدراما، ليس مطلوبا منا أن نصدق أنها لجنة بريئة، وكل دورها إرشاد المبدعين إلى الموضوعات التى يُفضل أن يتناولوها فى أعمالهم الدرامية، والموضوعات التى عليهم أن يتجنبوها.

 

الفن ليس قاصرا، وكل تصريحات أعضاء لجنة الدراما آخرها مقالات رأى يمكنهم نشرها فى الصحف، أو على مواقع الإنترنت التى لم تُحجب بعد، فالدراما تنظمها قوانين كثيرة وكافية جدا، وتقوم الرقابة بكل ما يلزم وزيادة، ولو هناك قصور فى تطبيق القوانين الرقابية المعتمدة، فهذا القصور مسؤولية الجهات الرقابية، وإصلاحه يكون من خلال تطوير هيكلها الإدارى والتنظيمى لتكون أكثر فاعلية، وليس مفهوما التصريحات التى تقول إن لجنة الدراما دورها مساعدة الرقابة، وهل الرقابة عاجزة؟ هل أصابها مرض خبيث لا قدر الله؟ ولماذا لا ينضم أعضاء لجنة الدراما للرقابة؟ ولماذا لا يعملون تحت قيادتها؟ ولماذا ينشأ كيان مواز للرقابة معالم دوره الحقيقى غامضة وملتبسة؟

 

تصريحات الناقدة خيرية البشلاوى عضو اللجنة لجريدة الشروق، وكذلك تصريحاتها لبرنامج الإعلامى شريف عامر «يحدث فى مصر» مليئة بنظريات المؤامرة من نوعية «المؤامرة الإيرانية لتشييع مصر»، أو «استغلال جهات مجهولة للفن لهدم الدولة»، وهى تصريحات يستحيل مناقشتها والتحاور معها، ففى عالم تحكمه نظرية المؤامرة عليك محاربة أشباح وطواحين هواء وكائنات خرافية.

 

تضم اللجنة أسماء مثقفة ومحترمة، ودورهم يجب أن يكون بعيدا عن التدخل فى الفن مهما كانت نياتهم وطنية وطيبة، وتصريحاتهم حول دور اللجنة غامضة ومتناقضة أحيانا، ورغم تأكيد وقوفهم مع حرية الفن، تجدهم فى نفس الحوار يؤيدون منع الرقابة لمسلسل ما، لم تتم تسميته، بحجة ترويجه للمذهب الشيعى (ربما المقصود مسلسل «غرابيب سود» الذى هاجم داعش)، ومبرر تأييد المنع هو غياب وعى جمهور المشاهدين، وتبشرنا اللجنة أيضا بالاختلاف الملحوظ الذى سنلحظه فى الجزء الثانى من مسلسل «سابع جار» بعد أن أثار الجزء الأول حالة بلبلة بسبب الألفاظ الخارجة التى تضمنها العمل، وذلك بعد أن تدخلت الرقابة فى سيناريو الحلقات الباقية.

 

يحكى الناقد الراحل سمير فريد فى كتابه «تاريخ الرقابة على السينما فى مصر» عن هوجة اتهام السينما بالإساءة لسمعة مصر فى بداية الثمانينيات بعد عرض فيلمى «درب الهوى» و«خمسة باب»، وهما الفيلمان اللذان منعهما وزير الثقافة وقتها، وبعيدا عن التفاصيل التى أحاطت بقرار المنع، لفت نظر سمير فريد أن خمسة نقاد وصحفيين فقط وقفوا ضد قرار المنع، وهؤلاء الخمسة هم سمير فريد، ورؤوف توفيق، وسامى السلامونى، وحسن إمام عمر، وأحمد صالح، فى حين تبارى آخرون فى مدح قرار الوزير، وطالب بعضهم بحرق هذه الأفلام وحرق أصحابها.

 

ووقتها طالب البعض بتشكيل لجنة من المثقفين لتحل محل الرقابة، ويقول سمير فريد «هذا الاقتراح يعنى أن ينتقل سيف الرقابة من الحكومة إلى المثقفين ليمنعوا أعمال بعضهم البعض ويتسلطوا على بعضهم بدلا من الحوار». ويقول فى موضع آخر «وقد كشف قرار وزير الثقافة بمنع هذين الفيلمين عن وجود طاقة فاشية هائلة داخل العديد من الصحفيين المصريين ما أن يسمح لها بالظهور حتى تنفجر فى المجتمع كالبركان».

 

بالمناسبة رفع مخرج فيلم «درب الهوى» المخرج حسام الدين مصطفى قضية ضد وزير الثقافة، وكسبها وصدر الحكم بعرض الفيلم، وبالتالى عُرض فيلم «خمسة باب» إخراج نادر جلال، وبالمناسبة أيضا منع رئيس الوزراء السابق إبراهيم محلب عرض فيلم «حلاوة روح»، ورفع منتجه محمد السبكى دعوى، وكسبها وصدر الحكم بعرض الفيلم.

 

التدخل فى الدراما بالمنع والتوجيه والإرشاد لن يفيد الدراما، ارجعوا للتاريخ، أو اسألوا الديناصور منصور.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات