.

The Shape of Water.. حدوتة سينمائية عن الحب والتواصل مع الآخر

Foto

كيف عبرت حكاية من أجواء حقبة الستينيات عن توترات الواقع الحالى؟


حينما اضطر بطل فيلم Cast Away «منبوذ»، تشاك نولاند «توم هانكس» للعيش وحيدا على جزيرة رائعة سقطت طائرته قبالتها، جاء بكرة قذفها المد ورسم عليها وجه إنسان، وسمى الكرة ويلسون، لم يكن البطل مجنونا، لكنه كان بحاجة لمن يؤنس وحدته، حتى لو كانت كرة خرساء يكلمها فى جزيرة جميلة لا يعيش فيها أحد.

 

جزء من جمال السينما هو تحويل الواقع إلى حدوتة ساحرة بالصوت والصورة، وحواديت السينما جزء من تواصل الفنان والمتفرج، وجزء من حالة التواصل البشرى بشكل عام، وجوهر الحياة هى التواصل بين البشر، ولهذا قال المثل الشعبى إن الجنة لا قيمة لها بلا بشر، أو بالعامية «جنة من غير ناس ما تنداس»، ولا أحد يعرف كيف تبدو الجنة، ولكن الحكمة الشعبية تهدف لتعظيم قيمة العلاقات الإنسانية.

 

بطلة فيلم The Shape of Water «شكل الماء» تعانى من الوحدة، هى إليزا إسبوسيتو «سالى هاونكس» عاملة نظافة خرساء، لا تتمتع بجمال لافت، لكنها شخصية شديدة النقاء والبراءة، تعمل داخل مبنى أبحاث تابع للحكومة، وتتواصل سرا مع كائن غريب، رجل برمائى، تم صيده من نهر بأمريكا الجنوبية، ويقوم العلماء بإجراء أبحاث عليه، ويتعرض لمعاملة شديدة القسوة من رجل الأمن ريتشارد ستريكلاند «مايكل شانون» الذى يحاول ترويضه على طريقته الخاصة.

 

الفيلم فكرة وإخراج جيريلمو دل تورو، المخرج المكسيكى الذى فتحت هوليوود ذراعيها له، واحتضنت موهبته، ولا يمكن مشاهدة فيلمه الجديد وتجاهل حقيقة أنه مثل بطلة فيلمه بشكل أو بآخر، يعيش داخل مجتمع تتغير أفكاره، ويعيد إنتاج عنصريته القديمة.

 

نحن أمام حكاية تجمع بين الفانتازيا والواقع، حكاية تشبه الحواديت، وكأى حدوتة هناك قصة الحب المستحيلة، التى يتمنى المتفرج أن تنتهى نهاية سعيدة، وهناك الشرير القاسى، والصديق الطيب، والشخصيات الثانوية التى تؤكد وتبرز الأفكار والمعانى.

 

الخط الدرامى الأهم هو قصة الحب المستحيلة بين فتاة طيبة وكائن غريب، يجمع شكليا بين صفات الإنسان والسمكة، تبدأ القصة بينهما بالتواصل بالإشارة، والموسيقى أحيانا، كلاهما لا يستطيع الكلام، ولهذا يعيش وحيدا، منبوذا، أحدهما يعيش داخل صندوق زجاجى مغمور بالماء.

 

العلاقات المحدودة لإليزا مع شخصيات تشبهها جسور، كل منهم مع الحياة مدمرة، تمنعه من التواصل بعفوية فى المجتمع، الصديقة وزميلة العمل زيلدا «أوكتافيا سبنسر» أمريكية من أصول إفريقية، وفى الستينيات، زمن أحداث الفيلم، كانت العنصرية ضد السود جزءا من الواقع الأمريكى، وهذا سبب من أسباب اختيار تلك الحقبة الزمنية كإطار للأحداث، فالفيلم يمكن تصنيفه كعمل رومانسى وفانتازى، لكنه قاتم، واختيار فترة الستينيات بكل تشوهاتها الاجتماعية جزء من إضافة حالة كابوسية للعمل، والإسقاط على الواقع الأمريكى الحالى باستدعاء حدوتة من وحى فترة تاريخية رديئة أسهم بمنح الفيلم زخما فنيا ورمزيا يبتعد عن المباشرة.

 

الشخصية الأخرى فى حياة إليزا جارها الرسام جيليس «ريتشارد جينكينس» الذى يعيش وحيدا، يخفى مثليته، ويعانى من البطالة بعد أن حلت الصورة الفوتوغرافية محل الرسم اليدوى فى تصميم الإعلانات. كل من زيلدا وجيليس شخصية وحيدة تعانى خرسها الخاص، ومنبوذة بشكل أو آخر من غالبية المجتمع.

 

يجسد «مايكل شانون» شخصية شرير الفيلم، ريتشارد ستريكلاند، وهو رجل أمن قاسٍ، لا يجيد التواصل هو أيضا مع الآخرين، ويخلق هذا لديه حالة عداء وتربص بالآخرين، هو شخص متشكك، يعيش فى عالمه الخاص، يضيق بآراء الآخرين، ويكره شفقتهم على الضعفاء، لا يستمع إلا إلى صوته، يكره الاحتجاج، لهذا علاقته بالرجل البرمائى عنيفة، وتشبع ساديته، على عكس علاقته بزوجته، فهو يضيق بكلامها، ويتمنى لو كانت خرساء، لا تستطيع الاحتجاج على خشونته فى أثناء علاقتهما الحميمية، وفى مرحلة ما يثيره خرس إليزا وضعفها، كما يثير الحيوان المتوحش رؤية الحيوان الضعيف قليل الحيلة.

 

يتجسد فى فيلم «شكل الماء» سحر السينما، ومهما بلغت أهمية موضوع الفيلم، يبقى أسلوب السرد هو الوسيلة الجذابة للحكى، وهذا ما فعله دل تورو الذى سخَّر كل عناصر لغة السينما ليحكى حكاية بسيطة، ومنح حكايته شكلا واقعيا بلمسات سحرية، ورسم شخصياته بعناية، وبنى لها تفاصيل تعبر عن أفكارها ومشاعرها، فنرى أن جزءا من عالم إليزا حب الموسيقى والسينما، إنها تعيش فوق صالة سينما قديمة الطراز، ويأتيها صوت الأفلام من خلال الجدران، السينما والفن جزء هام من وسائل التواصل الإنسانى، فالرجل البرمائى يتفاعل مع الموسيقى، ويقف وسط قاعة العرض السينمائى مبهورا أمام أطياف صور شخصيات الفيلم على الشاشة.

 

الفيلم ترشح لثلاث عشرة جائزة أوسكار، أهمها أفضل فيلم وإخراج وسيناريو وموسيقى وتصوير، وأيضا ثلاثة ترشيحات لجوائز التمثيل «هاوكنز وسبنسر وجينيكس»، وكثرة الترشيحات نتيجة تفوق معظم عناصر الفيلم.

 

افتقد الفيلم جزءا من سحره فى الثلث الأخير من الفيلم، حينما تحولت الحكاية إلى مطاردة بوليسية، وقصة تجسس عادية، ولكن ذلك لم يفسد الفيلم، ويظل أداء باولا هاونكس ومشاهد الفانتازيا، وعلى رأسها مشهد اللقاء الغرامى بين الحبيبين تحت الماء من أهم ملامح الفيلم، كما أن كل حكاية الفيلم لم تبتعد عن واقع تراجع كثير من قيم التعايش وتقبل الآخر فى أمريكا والعالم.

 

لا شك أن تأثر هوليوود بالقضايا السياسية وهموم المجتمع الكبرى ينعكس على موضوعات الأفلام التى تصنعها، وكذلك اختيارات أعضاء الأكاديمية للأفلام المرشحة لجوائز الأوسكار، ولا يخرج فيلم «شكل الماء» عن هذا الإطار، وحصوله على 13 ترشيحا يعود لإعجاب أعضاء الأكاديمية بفكرته، وتألق عناصره الفنية، ورسالته التى تحذر من كابوس الكراهية، إذا استمر النظام الأمريكى فى لفظ الآخرين والبقاء على قمة العالم وحيدا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات