.

مجدى نجيب.. صندوق الموسيقى

Foto

كيف كانت فايزة أحمد سببًا فى قطيعة نجيب مع عبد الحليم حافظ؟ لماذا غضب بليغ حمدى من شعراء العامية؟


 

قبل أيام نشرت بعض الصحف خبر وفاة مجدى نجيب، وتم الخلط وقتها بين المقصود بالخبر وهو صحفى، وبين كاتب الأغانى والرسام الشهير مجدى نجيب الذى كتب لعبد الحليم حافظ وشادية وصباح وكانت له تجربة ثرية جدا مع محمد منير يكفيه منها أغنية مثل حواديت أو شبابيك. مجدى نجيب الذى يتمتع بصحة جيدة ويزاول نشاطه الفنى يوميا منعزلا داخل بيته، مكتفيا بفنه، ومحتجبا عن آخرين لم يعد يجد صيغة للتفاهم معهم.

 

لمجدى نجيب كتاب لافت، اسمه «صندوق الموسيقى.. زمن الغناء الجميل» يحكى فيه عن قصصه مع عدد كبير من المطربين والملحنين، يحكى فيه عن رؤيته للأغنية وكيف كان ينظر إليها باعتبارها نوعا من العار، لا يجب للشاعر أن ينزل من عليائه ليكتبها، وقد نزل هو، بمحض الصدفة، ليكتب أغنيته الأولى «قولوا لعين الشمس» بعد إلحاح من بليغ حمدى، وهى الأغنية التى أنتجتها الإذاعة المصرية عام 1966 ومنحته خمسة جنيهات كمقابل مادى وقتها، غير أن الشهرة التى حازها فاقت المبلغ بكثير.

 

وفى الكتاب الصادر عن دار الميدان، تعرف كيف ندم الملحن محمد الموجى على دوره فى فيلم «رحلة غرامية» وما تعرض له من لوم وعتاب أصدقائه: مدحت عاصم ومنير مراد ومحمد جلال، لأنه ورط نفسه فى ما لا يخصه، فى البداية حاول الموجى أن يجادل الأصدقاء مؤكدا لهم أنه من علم عبد الحليم حافظ الإحساس والتدريب على المشاعر الإنسانية والتعبير عنها، ولكنه لم يكن مقنعا وكانت ردود الموجى، بحسب مجدى نجيب، انفعالية. إلى أن أقر الموجى فى النهاية بخطئه: «كنت فاكر التمثيل حاجة هايفة، لقيتها حاجة مخيفة، أفزعتنى الكاميرا وفضحتنى الأضواء، فوقعت فى بئر الحيرة والتردد». قالها الموجى ثم انسابت دموعه.

 

«هو طفل برىء فى جسد كبير» هكذا يصف مجدى نجيب الملحن بليغ حمدى، حيث كان لا يهمه أحد إلا نفسه، وإذا أعجبه مشروع فنى لا يتركه إلا وقد نفذه مهما كانت للأمر عواقب، لم ينشغل بالآخرين قدر انشغاله بما يمنحه السعادة، ومقصلة الضمير عنده لم تكن تعمل كى يفيق. كانت هذه صورة بليغ حمدى عند مجدى الذى يحكى عن غضب بليغ منه ومن الأبنودى وعبد الرحيم منصور لأن ثلاثتهم تعاملوا مع أكثر من ملحن، وهذه تصرفات «مش تمام» وفق تعبيره. وكان بليغ قد وصل لمرحلة من الانتشار والنجاح جعلته يشعر أن ألحانه هى التى تمنح لأغنية النجاح أو تهدمها تماما، تحيى هذا المطرب أو تقضى عليه.

 

وبينما يقود سيارته وإلى جانبه مجدى نجيب انفجر قائلا: «لن أتعامل مع شعراء العامية.. سأبحث عن أى شخص، عن أى شاعر يعرف كيف يرص الكلمات أو يفك الوزن والقافية وأجعل منه أشهر الشعراء شهرة ومالا و(طظ) فيكم يا شعراء العامية كلكم».

 

لم يكن لغضب بليغ حدود، وكانت ثورته إن اشتعلت لا يقدر أحد على إخمادها. يحكى نجيب أنه ذات يوم، وبصحبة صديقه الشاعر عبد الرحيم منصور، ذهبا فى زيارة مفاجئة إلى بليغ فى الشاليه الخاص به فى صحارى سيتى، وقبل أن يرتفع صوتهما بالنداء سمعا صوت استغاثة نسائية، ركل منصور الباب بقدمه وأخذ ينادى ويصرخ حتى ظهر بليغ وإلى جواره فتاة تبدو عليها آثار الضرب، وقال بليغ فى حدة: «إيه.. فيه إيه.. مفيش حاجة»، وعرفا وقتها أن هذه مطربة صاعدة أراد بليغ أن يقدمها ولكنه وجد صوتها نشازا وعجزت عن غناء أحد ألحانه فانهال عليها ضربا، ويؤكد مجدى نجيب أنها كانت إحدى عاداته: أن المرأة مخلوق يستحق الضرب لو أخطأ.

 

بعد أغنيتين كتبهما مجدى نجيب لشادية وحققتا نجاحا واسعا، طلبت منه فايزة أحمد أن يكتب لها. تمنت أن تحقق معه ما حدث فى «قولوا لعين الشمس» ثم «غاب القمر». وفى عام 1968 أشفق نجيب على زوجها الملحن محمد سلطان وهو يسلمه كلمات موشحه «العيون الكواحل» غير أن سلطان أبدع لحنا مدهشا فاق تصورات نجيب وتجاوز ما تمناه، فى المقابل حصل نجيب على 25 جنيها.

 

كانت فايزة أحمد حالة فى الوسط الفنى، ولأنها لم تكن امرأة جميلة أو فاتنة، فإن رأس مالها تركز فى صوتها وموهبتها، ودفعها ذلك لأن تخوض معاركها بشراسة «لأن أحدا لن يساعدها أو يقف إلى جوارها» وكانت هى دائمة الشكوى من تصرفات الآخرين تجاهها وخصوصا عبد الوهاب الذى رأت أنه يتعمد تهميشها وعدم لفت الأنظار إليها رغم تصريحات سابقة له أنها الوحيدة القادرة على غناء ألحانه باقتدار. يحكى نجيب أنها لم تكن تترك مناسبة إلا وتشتكى فيها سواء من زملائها فى الوسط، أو من الإذاعة التى تذيع لزميلاتها أكثر مما تذيع لها، كانت شكَّاءة، بحسب وصف نجيب، غير أن قلبها كان طيبا.

 

ويؤكد مجدى نجيب أن هذا الموشح كان من أسباب القطيعة بينه وبين عبد الحليم حافظ الذى أراد أن يكون الوحيد الذى غنى الموشح، وعندما غنت فايزة «العيون الكواحل» ظهرت المقارنات مع «كامل الأوصاف» ومن هنا بدأت المشكلات إلى أن غذتها بعض المواقف لتصل بها إلى القطيعة أو ما يشبهها.

 

أكثر من عشرين أغنية كتبها مجدى نجيب لمحمد منير، بدأت بأغنية «القدس» التى تحمس عبد الرحيم منصور لأن يغنيها منير فى المرة الأولى التى التقى فيها الثلاثة فى مكتب مجلة المصور حينما كان رجاء النقاش يعد عددا خاصا عن العروبة، وكان منير خريجا حديثا فى كلية الفنون التطبيقية.

 

كانت ملامح منير، ملابسه، طريقته فى الغناء، وقطعا صوته، تدل على أن هناك فتحا فنيا على وشك الانفجار، وعندما وقف منير على المسرح بالـ«تى شيرت» والبنطلون الجينز بلا أناقة ولا كريمات على الوجه مكتفيا بفنه، أدرك الجميع أن الانفجار حان.

 

«شبابيك»، «حواديت»، «يا مراكبى»، «سؤال»، «طعم البيوت» وأغانٍ أخرى كثيرة تعاون فيها مجدى نجيب مع منير، ولكن ثمة قطيعة حدثت بينهما منذ التعاون الأخير فى «طعم البيوت»، ويتحدث نجيب دائما بمرارة عن هذه القطيعة، حيث يرى أن منير لم يكن موفقا فى إنهاء العلاقة بهذا الشكل، حيث كانت لمجدى نجيب وعبد الرحيم منصور السبق فى تقديمه وتبنيه فنيا ومساعدته على أن تُرسخ قدماه فى عالم شرس ووسط مخيف، غير أن النهايات، فى كثير منها، لا تكون على نفس قدر البدايات من الصفاء والإخلاص، كما أنها تخلو كثيرا من الحسابات.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات